مع تسارع الوقائع الميدانية في الجنوب، يقف لبنان أمام استحقاق هو الأكثر حرجًا وعمقًا، خصوصًا مع اقتراب موعد الجولة الجديدة من المفاوضات المقرّرة في وزارة الخارجية الأميركية في الثاني والعشرين من حزيران الجاري. ومن الواضح أن إسرائيل تخوض سباقًا محمومًا تهدف من خلاله إلى انتزاع تفوّق جيو-عسكري على أرض الجنوب، يُمكن تسييله على الطاولة.
وتُشير القراءة المتأنّية للرواية الرسمية الإسرائيلية المنشورة اليوم في “يديعوت أحرونوت” حول العمليات العسكرية جنوب نهر الليطاني، وتحديدًا في مرتفعات الشقيف، إلى ما يتجاوز البعد العسكري المباشر ليلامس عمق الأفق السياسي. فالحديث الإسرائيلي عن الانتقال إلى “خيارات عملياتية جديدة” والاقتراب من “أهداف إضافية”، يتقاطع مع مناورة سياسية واضحة يقودها بنيامين نتنياهو.
وتنطلق هذه المناورة من تسريب أجواء حول إمكانية قبول تل أبيب بطروحات “الترتيبات الأمنية التدريجية” أو إنشاء “مناطق نموذجية وتجريبية”. وفي الحسابات المجرّدة، يبدو أن هذه الطروحات تُستخدم كـ”ملهاة دبلوماسية” لكسب الوقت، ريثما تتمكّن الآلة العسكرية من إحكام السيطرة التامّة على محاور استراتيجية حاكمة، وفي مقدّمتها مدينتا النبطية وصور، لتثبيت واقع عسكري جديد يمتد إلى جنوب نهر الزهراني بالكامل. وبات الإسرائيليون يتحدثون بوضوح عن الرغبة في توسيع السيطرة وتكريسها جنوبًا بدل المطالبة الصعبة بالنزع الكامل لسلاح حزب الله من بقية أنحاء لبنان شمالًا.
وهذا السباق المحموم يضع المفاوض اللبناني في موقف بالغ التعقيد. فالتدحرج الميداني والقضم الجغرافي المستمر قبل جلسة 22 الجاري يقلّصان هوامش المناورة المتاحة للبنان. وبناءً على المعطيات الحالية، فإن الانتقال من جولة مفاوضات إلى أخرى في ظل غياب التوازن الميداني قد يحوّل المسار الدبلوماسي إلى آلية لتسجيل التنازلات المتتالية، حيث يضيق الهامش اللبناني من جولة إلى أخرى إلى حدود الاختناق.
وتبرز هنا معضلة الجانب اللبناني. ففي الوقت الذي يسعى فيه رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى التمسّك بالتفاوض كمسار وحيد لإنقاذ البلد وتجنّب الصدمات الميدانية، وعلى رغم الحراك الدبلوماسي الذي يقوده السفير الأميركي ميشال عيسى بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري لشرح وإيضاح “البيان الثلاثي”، تفتقد السلطة اللبنانية أوراق قوّة حقيقية، سواء لمواجهة إسرائيل في توغّلها، أو لمواجهتها في المفاوضات، في ظل الانقسام السياسي الحاد. ولذلك، يُخشى أن يذهب لبنان إلى المفاوضات في ظروف تزداد صعوبة جولة بعد أخرى. من هنا تبرز أهمية الاحتضان العربي المتزايد للبنان، والخليجي خصوصًا، سواء في مسار وقف النار الذي تعمل له قطر بشكل حثيث، أو بالانفتاح السعودي المتسارع على الساحة اللبنانية في اللحظة الصعبة، والذي عبّرت عنه زيارة الأمير يزيد بن فرحان لبيروت ووصول السفير الجديد فهد الدوسري ليبدأ ممارسة مهامه الدبلوماسية المثقلة بالمسؤوليات، التي يعوّل عليها لبنان.
واشنطن بين هدنة الإقليم واشتباك الجنوب
كل الأنظار شاخصة اليوم نحو إسلام آباد، حيث يُطرح الاتفاق الأميركي- الإيراني، وفق ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كإطار لتمديد الهدنة ستين يومًا ووقف الحرب على جبهات المنطقة، بما فيها لبنان. غير أن العقدة لا تكمن في نص الاتفاق بقدر ما تكمن في موقع إسرائيل منه. فتل أبيب، عبر بيان مكتب نتنياهو، سارعت إلى القول إنها “ليست طرفًا في مذكرة التفاهم”، وهو إعلان لا ينفي الاستفادة من الاتفاق، بل يترك لها هامشًا واسعًا للمناورة العسكرية والسياسية.
بهذا المعنى، تحاول إسرائيل أن تجمع بين فائدتين: الإفادة من مناخ التهدئة الإقليمي لتقليل الضغوط الدولية، والاستمرار في تعديل الوقائع الميدانية جنوبًا قبل تثبيتها في أي صيغة تفاوضية. ولذلك تبدو جولة 22 حزيران في واشنطن أقل شبهًا بجولة تفاوضية عادية، وأكثر اقترابًا من اختبار قاسٍ لقدرة لبنان على منع تحويل الطاولة إلى ختم سياسي لنتائج الميدان.
المفاوض اللبناني أمام ميزان مختلّ
التحضيرات اللبنانية للجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل تكشف إدراكًا رسميًا لحساسية اللحظة. اجتماع بعبدا، الذي ضم الرئيس جوزاف عون وقائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم وأعضاء الفريق العسكري، لم يكن اجتماعًا تقنيًا. هو أقرب إلى محاولة ضبط سقف التفاوض ومنع الوفد من الذهاب إلى واشنطن مكشوفًا أمام ضغطين متوازيين: الضغط الإسرائيلي في الميدان، والضغط الداخلي الرافض لمسار التفاوض المباشر.
لكن المشكلة الأعمق أن لبنان يتفاوض بلا فائض قوّة. فالدولة لا تملك قدرة ردع عسكرية، ولا غطاء داخليًا متماسكًا، ولا ورقة اقتصادية يمكن تحويلها إلى ضغط سياسي. وفي المقابل، تملك إسرائيل قدرة مستمرة على القضم والتصعيد والتهديد، وتملك أيضًا خطابًا دوليًا جاهزًا يربط كل تقدّم عسكري بعنوان “الأمن في الشمال”. هنا يصبح إصرار الرئيس عون على عدم الانسحاب من المفاوضات موقفًا واقعيًا أكثر منه خيارًا مريحًا. فالانسحاب يترك الميدان لإسرائيل، والاستمرار من دون توازن قد يحوّل التفاوض إلى مسار استنزاف سياسي.
الشقيف والسلوقي: الجغرافيا بوصفها ورقة تفاوض
الرواية الإسرائيلية عن السيطرة العملياتية في شمال وادي السلوقي ومرتفعات الشقيف لا ينبغي قراءتها كخبر عسكري منفصل. فهذه المنطقة ليست تفصيلًا جغرافيًا، بل عقدة رصد ونار وحركة بين الليطاني والنبطية والعمق الجنوبي. لذلك، فإن تضخيم إسرائيل لما تقول إنه تدمير مئات البنى التحتية ومقتل عشرات العناصر واكتشاف شبكة أنفاق ومنشآت تحت الأرض، يهدف إلى إنتاج صورة مزدوجة: إقناع الداخل الإسرائيلي بأن الحرب تُنتج أمنًا، وإقناع المفاوضين بأن تل أبيب تمتلك حقائق ميدانية يصعب تجاوزها.
الأخطر في رواية “يديعوت أحرونوت” ليس فقط الحديث عن “البوفور الحقيقي” تحت الأرض، بل الإشارة إلى أن العملية فتحت “خيارات عملياتية جديدة”. هذه العبارة سياسية قبل أن تكون عسكرية. فهي تقول للبنانيين، وللأميركيين أيضًا، إن إسرائيل لا ترى نفسها عند نهاية العملية، بل عند بداية مرحلة يمكن أن تتّسع جنوب الليطاني، وربما جنوب الزهراني، إذا لم تحصل على ترتيب أمني يناسب شروطها.
حزب الله بين كلفة المقاومة وكلفة التسوية
في المقابل، يعيد بيان كتلة الوفاء للمقاومة تثبيت معادلة الحزب التقليدية: المقاومة خيار واقعي، وكلفتها أقل من كلفة الاستسلام. غير أن هذه المعادلة تواجه اليوم اختبارًا مختلفًا. فالحزب لا يناقش فقط شرعية سلاحه أو موقعه في الداخل، بل يواجه محاولة دولية، إقليمية، وإسرائيلية، لحصر النقاش بسلاحه جنوب الليطاني كمدخل لترتيب أوسع.
رفض الكتلة للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل يعكس خشية واضحة من أن يتحول المسار الرسمي إلى قناة لإنتاج التزامات لبنانية أحادية، لا سيما إذا لم يُقرن بأي التزام إسرائيلي بالانسحاب ووقف العمليات وعودة النازحين وإعادة الإعمار. لكن الحزب، في المقابل، يجد نفسه أمام معادلة ضاغطة: كلما طال الاشتباك، ارتفعت كلفة البيئة والبلد، وكلما تقدّم التفاوض من دون حضوره المباشر، زادت احتمالات صياغة ترتيبات تمسّ موقعه العسكري والسياسي.
السعودية تعود من باب التفاوض لا الاقتصاد فقط
في هذا المشهد، لا تبدو زيارة الأمير يزيد بن فرحان حدثًا بروتوكوليًا. صحيح أن المدخل اقتصادي، خصوصًا بعد فتح الأسواق السعودية أمام الصادرات اللبنانية، لكن العمق سياسي بامتياز. الرياض لا تريد أن تكون مجرّد ممول لمرحلة ما بعد الحرب، بل شريكًا في صياغة شروطها. وهذا يعني أن المملكة تعود إلى لبنان من بوابة الترتيبات الكبرى، لا من بوابة المساعدات وحدها.
الرسالة السعودية الأساسية تبدو واضحة: لا دعم لمسار لبناني ينهار عند أول خلاف داخلي. لذلك تتركّز الحركة السعودية على اختبار إمكانية إنتاج موقف موحّد بين بعبدا وعين التينة والسراي، وعلى فهم حدود مرونة حزب الله عبر قناة الرئيس نبيه بري. فالسعودية، وهي المنفتحة إقليميًا على طهران، لا تريد صدامًا داخليًا لبنانيًا، لكنها لا تريد أيضًا إعادة إعمار مجانية تكرّس معادلة السلاح خارج الدولة.
بري كقناة إلزامية والترويكا كضرورة مرحلية
تُدرك الرياض أن الرئيس بري يبقى ممرًا إلزاميًا لأي تفاهم يتصل بالبيئة الشيعية وبموقع حزب الله وبترجمة أي اتفاق في المؤسسات. ومن هنا تأتي أهمية تحسين العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب، وإعادة ترميم حد أدنى من “الترويكا” السياسية، ولو بصيغة محدّثة. فالسعودية تعرف أن أي اتفاق لا يحظى بتفاهم بين الرؤساء الثلاثة سيتحول إلى مشروع انقسام جديد.
كما أن دعم الرياض لرئيس الحكومة نواف سلام ليس تفصيلًا. فالرجل يُنظر إليه سعوديًا كجزء من توازن سياسي ينبغي الحفاظ عليه في مرحلة انتقالية دقيقة. ومن هنا يصبح التنسيق السعودي مع بري محاولة لإدارة التناقض لا لإلغائه: حماية الحكومة، منع الانفجار الداخلي، ضبط تفاوض الدولة، وفتح الباب أمام ترتيب أمني يربط الانسحاب الإسرائيلي بسحب السلاح من جنوب الليطاني.
لبنان أمام صيغة ما بعد حرب 2026
الخلاصة أن لبنان يقف أمام لحظة تأسيسية. فإذا نجح الاتفاق الأميركي، الإيراني في تثبيت هدنة إقليمية، سيكون الجنوب اللبناني أحد الملفات الأولى على طاولة الترتيب. وإذا فشل، فإن إسرائيل ستواصل الاستثمار في الميدان لتحسين شروطها. وبين الاحتمالين، لا يملك لبنان ترف الانتظار ولا ترف الانقسام.
المعادلة المقبلة قد تكون واضحة بقسوتها: انسحاب إسرائيلي كامل ووقف للعمليات وفتح باب إعادة الإعمار، مقابل ترتيب أمني صارم جنوب الليطاني يمسّ عمليًا مستقبل سلاح حزب الله في تلك المنطقة. لذلك فإن السؤال لم يعد ما إذا كان لبنان ذاهبًا إلى تفاوض صعب، بل ما إذا كان يملك دولة قادرة على التفاوض باسم جميع اللبنانيين. ففي غياب هذه الدولة، سيبقى الآخرون يكتبون خرائط الجنوب، فيما يكتفي اللبنانيون بمناقشة النص بعد صدوره.
المدن


