حسن عيسى
يدخل الصراع الأميركي-الإيراني فصلاً جديداً يتجاوز الأدبيات الكلاسيكية لـمفهوم “اللا سلم واللا حرب”. فنحن اليوم أمام واقع ميداني مختلف تماماً تُترجمه “ضربات دقيقة مستمرة” متبادلة؛ تبدأ بشن واشنطن غارات جراحية واسعة تطال أهدافاً حيوية في العمق الإيراني، وتُقابل بردود فعل مباشرة للحرس الثوري استهدفت قواعد عسكرية حيوية في البحرين والكويت، بالإضافة إلى اعتراض السفن في الشرايين المائية الحيوية. هذا المشهد المتفجر يفتح الباب أمام قراءة واقعية، هادئة ووسطية، لتفكيك تشابكات هذا الكباش الدولي وانعكاساته الإقليمية.
مضيق هرمز وصراع الأجنحة في طهران
العودة الإيرانية السريعة للضغط على ملف الملاحة في مضيق هرمز ليست مجرد مناورة عسكرية معزولة، بل هي انعكاس مباشر لصراع الأجنحة الخفي والمعقد داخل هرم السلطة في طهران. فبينما يميل الجناح الدبلوماسي والبيروقراطي الحكومي إلى محاولة احتواء الضربات وامتصاص مفاعيلها لتجنب الانهيار الاقتصادي الكامل، يندفع جناح الحرس الثوري (المتشدد) نحو تثبيت معادلة ميدانية خشنة لحفظ ماء الوجه وتأكيد حضوره كلاعب أول في السياسة الخارجية.
من هنا، جاء قرار تحويل المضيق إلى ساحة ردع رئيسية؛ حيث يدرك الحرس أن تحويل الصراع الثنائي إلى أزمة طاقة عالمية تهدد الأسواق الدولية، بالتوازي مع الرسائل الصاروخية المباشرة الموجهة للقواعد الأميركية في البحرين والكويت، هو الورقة الوحيدة الكفيلة بلجم التكنولوجيا الجوية الأميركية وفرض شروط طهران على أي تسوية قادمة.
إشراك عُمان: محاولة إيرانية لتقاسم عبء الممر الدولي
في خضم هذا الغليان، تبرز التحركات الدبلوماسية المتسارعة في مسقط، حيث سعى وزير الخارجية الإيراني لبحث “ترتيبات الملاحة” بموجب المادة الخامسة من تفاهمات إسلام آباد. تقرأ الأوساط السياسية الوسطية هذه الخطوة باعتبارها محاولة إيرانية واضحة لإشراك مسقط — بوصفها الشريك الجغرافي القانوني في الإشراف على المضيق — في تحمل عبء النزاع القائم.
إيران تسعى من خلال التنسيق الثنائي مع عُمان ومناقشة مقترحات تقسيم الممرات الملاحية، إلى إضفاء شرعية قانونية وإقليمية على إجراءاتها الاستثنائية في المضيق، وقطع الطريق على المساعي الأميركية لفرض وصاية دولية أو تسيير دوريات غربية أحادية. غير أن هذا السعي لإقحام مسقط في تفاصيل الكباش الأمني يضع الدبلوماسية العُمانية التاريخية (القائمة على الحياد والوساطة) أمام اختبار شديد الحرج والخطورة.
الساحة اللبنانية: مخاطر ربط المصير بـ “بورصة” التفاوض الإيراني-الأميركي
رغم الخصوصية السيادية التي تحاول بيروت تثبيتها عبر “اتفاق واشنطن”، إلا أن الإصرار على ربط مصير الاستقرار المحلي بمخرجات مفاوضات ومذكرة إسلام آباد بين طهران وواشنطن يحمل مخاطر سلبية وخيمة. فمع تحول هذا الكباش الإقليمي إلى “تفاوض تحت النار” واشتعال جبهات الخليج، يصبح لبنان رهينة لأي انتكاسة دبلوماسية؛ حيث يهدد أي خطأ في الحسابات بين الطرفين بتحويل الساحة اللبنانية مجدداً إلى صندوق بريد لتوجيه الرسائل الساخنة وتصفية الحسابات الدولية، مما يرهن المكتسبات الداخلية لتقلبات صراع إقليمي لا مصلحة للبنان في الانخراط فيه.
خاتمة
في المحصلة، يثبت الواقع الحالي أن المنطقة لا تسير نحو حرب شاملة مدمرة، بل نحو مرحلة “ترسيم الخطوط الحمر بالنقاط” تحت النار. وفي هذه البيئة القلقة، يبدو أن الرهان على استقرار سريع ليس سوى إفراط في التفاؤل، مما يفرض إدراك أن التفاوض تحت النار قد يطول، وأن كلفة الانتظار دون تحصين الملفات الداخلية بمعزل عن العواصف الإقليمية المحيطة ستكون باهظة جداً.
بين كماشة “هرمز” وحسابات طهران وبيروت: هل تسقط الدبلوماسية تحت ضربات “الوضع الطبيعي الجديد”؟
RELATED ARTICLES
Recent Comments
on Hello world!



