الثلاثاء, نوفمبر 3, 2026
الرئيسيةمقالات و قضاياأبو عمّار… القائد الحاضر رغم الغياب..بقلم الدكتور وسيم وني

أبو عمّار… القائد الحاضر رغم الغياب..بقلم الدكتور وسيم وني

بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين – الدكتور وسيم وني

في الذكرى الثانية والعشرين لاستشهاد القائد الرمز ياسر عرفات… حين يغيب الجسد وتبقى حكاية الوطن

هناك رجالٌ لا يرحلون حين تغيب أجسادهم بل يتحوّلون إلى ذاكرة وطن ونبض شعب وحكايةٍ تعجز السنوات عن إسدال الستار عليها وهناك قادةٌ لا تختصرهم المناصب ولا تحاصرهم النهايات لأنهم يتركون في وجدان شعوبهم ما هو أبقى من العمر وأقوى من الغياب وأعمق من النسيان وياسر عرفات أبو عمّار لم يكن يوماً مجرّد اسمٍ في سجلّ التاريخ بل كان صوت فلسطين حين حاول العالم إسكاتها وصورتها حين سعى البعض إلى تغييبها ورمزاً لمسيرة شعبٍ حمل جرحه بيد وحلمه بالحرية والاستقلال باليد الأخرى.

في الذكرى الثانية والعشرين لاستشهاد القائد الرمز ياسر عرفات لا نقف أمام ذكرى عابرة ولا نستحضر رجلاً طوته صفحات الزمن بل نستعيد سيرة قائدٍ تجاوز حضوره حدود المكان والزمان وارتبط اسمه بمحطاتٍ مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية نستعيد أبا عمّار فيما فلسطين لا تزال تواجه أشدّ التحديات وشعبها يواصل معركته من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير وكأنّ رحيله لم يُنهِ الحكاية بل ترك للأجيال أمانة مواصلة الطريق.

لم يكن ياسر عرفات رجلاً عادياً في ذاكرة أبناء شعبنا الفلسطيني والعالم فقد ارتبط اسمه بانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وبمسيرة منظمة التحرير الفلسطينية التي أعادت للقضية حضورها السياسي والوطني على الساحة الدولية ورسّخت الهوية الفلسطينية في مواجهة محاولات التغييب والطمس كان القائد الذي حمل الكوفية الفلسطينية حتى أصبحت جزءاً من صورته التاريخية ورمزاً لهوية شعبٍ رفض أن يكون رقماً في نشرات الأخبار أو قضيةً مؤجلة على طاولات السياسة أو حكايةً قابلة للنسيان.

فقد أدرك القائد أبو عمّار أنّ معركة الفلسطيني لا تقتصر على الأرض وحدها بل تمتدّ إلى معركة الرواية والهوية والاعتراف بالحقوق الوطنية لذلك حمل فلسطين إلى المحافل الدولية وجعل من صوت شعبها قضيةً حاضرة أمام العالم مؤكداً أنّ الفلسطيني ليس مجرد لاجئ يبحث عن مأوى بل صاحب أرض وحق وتاريخ وشعب يملك إرادة الحياة والحرية والاستقلال ومن الثورة إلى العمل السياسي والدبلوماسي خاض عرفات مسيرةً شاقة تداخلت فيها المواجهات والتضحيات مع التحولات السياسية وصولاً إلى قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 في محطةٍ تاريخية جسّدت انتقال القضية إلى مرحلة جديدة من مسيرتها الوطنية.

لم تكن تلك الرحلة سهلة ولم تكن الخيارات دائماً خاليةً من التعقيدات، لكن أبا عمّار بقي حاضراً في قلب التحولات يحمل مسؤولية القرار الوطني في أكثر المراحل حساسية، ويتمسك بمركزية القضية الفلسطينية وبحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وفق قرارات الشرعية الدولية لقد كان يدرك أنّ بقاء فلسطين حاضرة في الوعي العالمي والسياسة الدولية هو جزءٌ أساسي من معركة استعادة الحقوق وصون الهوية الوطنية.

وفي سنواته الأخيرة حاصرته الدبابات في مقر المقاطعة برام الله فبقي صامداً خلف جدران الحصار حاملاً هموم شعبه في واحدة من أقسى مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث وفي الحادي عشر من تشرين الثاني عام 2004 أُعلن استشهاده في باريس بعد تدهور حالته الصحية لتدخل فلسطين مرحلةً جديدة من الحزن والانتظار رحل الرجل الذي اعتاد أبناء شعبنا الفلسطيني أن يروا فيه صورة القيادة ورمز المرحلة، لكن رحيله لم يكن نهاية حضوره بل بداية فصلٍ جديد من حكايته في الذاكرة الوطنية.

لقد أثبتت السنوات أنّ القادة الذين تتجاوز رمزيّتهم حدود مناصبهم لا يُقاس حضورهم بسنوات حياتهم بل بما يتركونه في ضمير شعوبهم من أثرٍ ومعانٍ فأبو عمّار لم يكن مجرّد قائدٍ عاش لفلسطين بل كان يحمل فلسطين في قلبه أينما حلّ ويختصر في كوفيته حكاية الأرض واللجوء والعودة ويواجه قسوة الواقع بإيمانٍ راسخ بأنّ للشعب الفلسطيني حقاً لا يسقط بالتقادم ووطناً لا يمكن أن تمحوه خرائط الاحتلال وبقيت صورته وكوفيته جزءاً من الذاكرة الفلسطينية وشاهداً على مسيرةٍ وطنية لا تزال فصولها مفتوحة.

وفي ذكراه الثانية والعشرين لا يكمن الوفاء لإرث ياسر عرفات في استعادة الصور وترديد الشعارات وحدها بل في التمسك بالقضية التي عاش من أجلها، وصون وحدة الصف الفلسطيني وتعزيز التماسك الوطني وحماية الهوية والتمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني فالوفاء الحقيقي للقادة والشهداء يكون بتحويل ذكراهم إلى مسؤولية وطنية وإرثهم إلى عملٍ متواصل من أجل الحرية والاستقلال ونقل حكايتهم إلى الأجيال الجديدة كي تعرف أنّ فلسطين لم تكن يوماً مجرد اسمٍ على خريطة بل قضية شعبٍ قدّم التضحيات جيلاً بعد جيل وما زال متمسكاً بحقه في الحياة والكرامة والعودة.

إنّ أبا عمّار لم يعد حاضراً في ذاكرة الذين عاصروه وحدهم بل امتدّ حضوره إلى أجيالٍ لم تره لكنها تعرّفت إليه من حكايات الآباء وصور المخيمات وأناشيد الثورة وسيرة المناضلين وهذا هو المعنى الحقيقي لبقاء القادة في وجدان شعوبهم أن تتحول سيرتهم إلى ذاكرةٍ وطنية تتناقلها الأجيال وأن يبقى اسمهم مرتبطاً بقضيةٍ لا تنتهي برحيل أصحابها.

اثنان وعشرون عاماً مرّت وما زال اسم ياسر عرفات يستحضر فلسطين بكل ما فيها من وجعٍ وأمل ومن ذاكرةٍ لا تنكسر وإرادةٍ لا تستسلم تغيّرت الوجوه وتعاقبت المراحل وتبدّلت خرائط السياسة لكن فلسطين بقيت القضية التي لا تنتهي وبقي أبو عمّار واحداً من أبرز رموزها الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرتها الوطنية الحديثة.

يا أبا عمّار لم تعد الكوفية التي ارتديتها مجرّد رمز ولا الصورة التي تركتها مجرّد ذكرى لقد أصبحتا جزءاً من ذاكرة شعبٍ يبحث عن فجر حريته ويحمل حلمه من جيلٍ إلى جيل قد يغيب القائد عن العيون لكن ما يتركه من أثرٍ في وجدان شعبه يبقى شاهداً على أنّ بعض الرجال لا يرحلون تماماً سلامٌ على روحك، يا من حملت فلسطين قضيةً لا تقبل النسيان وتركت للأجيال حكاية شعبٍ يواصل الطريق رغم الألم والتحديات.

أبو عمّار… غبت جسداً، وبقيت حكاية وطن رحلت عن المشهد ولم ترحل عن الذاكرة ستبقى حاضراً ما بقيت فلسطين وما بقي في قلوب أبنائها إيمانٌ بالحرية وتمسّكٌ بالهوية وإصرارٌ على انتزاع الحق فالقادة العظام قد يرحلون عن الحياة لكنهم لا يرحلون عن ذاكرة الشعوب التي أحبّتهم وآمنت برسالتهم.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات