اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

شهادة الناجية من استهداف آمال خليل: «لا تتركيني يا زينب»

فؤاد بزي

ترسم زينب فرج، الناجية الوحيدة من مجزرة بلدة الطيري التي ارتكبها العدو الإسرائيلي بحق الصحافيين ومدنيين جنوبيين، صورة مكتملة الأركان لجريمة حرب موصوفة. فالمستهدفون لم يكونوا عناصر عسكرية، بل مدنيون واضحو الهوية: الصحافية آمال خليل، المختار علي بزي وصديقه محمد حوراني، كانوا جميعاً يتنقلون بسيارات مدنية ويحملون هواتفهم، ما يجعل هوياتهم الإلكترونية مشخصة، وينفي عنهم أي صفة قتالية أو تهديد عسكري. في روايتها لمراحل الاستهداف، تكشف فرج أنّ العدو، بعد اغتياله الشهيدين بزي وحوراني، كان على دراية بهوية الفريق الصحافي المؤلف منها ومن آمال خليل. فالمسيّرات لم تغادر المكان، وكانت تحلّق على علو منخفض، موثّقة الوجوه بوضوح. ورغم ذلك، تعمّد محاصرتهما، ومنع وصول فرق الإسعاف والإنقاذ عبر استهداف الطرق بالغارات تارة، ورفض منح الأذونات العسكرية لهذه الفرق للتحرك تارة أخرى. وبدم بارد، استكمل جريمته بقصف مبنى مدني يضم صحافية ومصوّرة، بقصد القتل. ولم يكتفِ بذلك، بل واصل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى الموقع، تاركاً المصابين يواجهون مصيرهم من دون أي إمكانية للنجاة

■ لماذا توجهتما إلى الطيري، ومن هما الشهيدان اللذان رافقا سيارتكما؟
– توجّهنا إلى بلدة الطيري بهدف الوصول إلى النقطة التي انسحبت منها دبابات العدو، قرب بنت جبيل، وتحديداً في محيط محطة وقود في المنطقة. ما شجّعنا على الذهاب كان تردّد معلومات عن إقامة الجيش اللبناني نقطة هناك. لم نتوجّه إلى منطقة مقطوعة أو معزولة كما يُشاع، بل صادفنا في الطريق سيارات مدنية أخرى، كان ركّابها يوثّقون ويصوّرون مثلنا تماماً.

السيارة التي كانت تسير أمامنا وتعرّضت للاستهداف الأول، لم يكن ركّابها من عناصر حزب الله كما ادّعت بعض وسائل الإعلام. الشهيدان، المختار علي بزي ومحمد حوراني، هما من أقربائي، وكنت أقيم في منزلهما في صيدا خلال فترة الحرب. كلاهما مرتبطان وجدانياً ببنت جبيل، وكانا يرغبان في الوصول معنا إلى أقرب نقطة ممكنة من المنطقة. خلال الطريق، توقّفنا في أكثر من مكان، والتقطنا صوراً مع الشهيدين بزي وحوراني. وقدّما لي ولآمال وروداً قطفاها من الطريق، وقالا إنها «آخر وردة» يقدّمانها لنا في الجنوب.

■ أين، وكيف استهدفكم العدو؟
– قبل أن نصل إلى نقطة انسحاب الدبابات في قرية الطيري، استهدفت مسيّرة من دون أي إنذار أو حتى صوت السيارة التي كانت تقلّ بزي وحوراني. وقع الاستهداف بشكل مباشر، ما أدى إلى استشهادهما على الفور. عندها، أوقفت آمال السيارة على جانب الطريق، ونزلنا سريعاً. احتمينا تحت خيمة صغيرة مغطاة بالقرميد الأحمر، تابعة أمام دكان صغير كانت السلع لا تزال بداخله.

■ لماذا لم تأتِ سيارات الإسعاف؟
– باشرت آمال فوراً إجراء اتصالات مع فرق الإسعاف وقوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، التي كان لديها مركز قريب جداً من موقعنا. لكن الردّ كان واحداً في كل مرة: لا يمكن التحرّك من دون إذن من العدو.

■ ماذا فعلتما؟
– بقينا تحت الخيمة قرابة ساعة، من الثانية والنصف حتى الثالثة والنصف تقريباً. حاولت آمال طوال الوقت أن تبدو هادئة كي لا تشعرني بالتوتر، فيما كانت مسيّرة تحلّق فوقنا على ارتفاع منخفض جداً، تقترب منا محلّقة لتصويرنا، فنخفي وجوهنا بأيدينا. جلست آمال بمحاذاة سيارتها، تحتضنني، بينما كنت ألتصق بالجدار، وهي تواصل اتصالاتها.

فجأة، استهدفت مسيّرة سيارة آمال. تناثرت أجزاؤها واشتعلت فيها النيران، وأُصبنا نحن أيضاً. سألتها فوراً: «إنتِ منيحة؟»، فأجابت: «أنا منيحة». لكنّنا في تلك اللحظة لم نعد نعرف ماذا نفعل. لم تكن قادرة على الوقوف أو المشي، وكانت تنزف من رأسها وأنفها وكتفها ويديها، وتقول إنّها تحترق من شدّة وهج النيران. حاولنا الاحتماء بما تيسّر، ووضعنا «دفاع السيارة» فوقنا وتغطّينا به.

عانقتني آمال، وقالت لي: يا زينب لا تتركيني، عانقتها وقلت لها: أنت أيضاً لا تتركيني. شعرت بدقات قلبها. كانت تتمتم أذكاراً وتستعد للأصعب. لكن، كلّما رنّ هاتفها، كانت تجيب على المتصل بصلابتها المعهودة، بالنبرة التي نعرفها بها، قبل أن تعود لإدراك الحقيقة بأنّ العدو يحاصرها ويقطع كلّ طرق تواصلها مع الخارج ولا يريد لها أن تخرج من هذا المكان.

قبل الوصول إلى نقطة الانسحاب من قرية الطيري استهدفت مسيّرة من دون صوت سيارة علي بزي ومحمد حوراني

لم تكن آمال قادرة على الحركة. بصعوبة، زحفتُ باتجاه الدكّان، وفتحت الباب الجرّار وساعدتها على الدخول. جلسنا على الأرض قرب الحمّام. خلال ذلك، كانت تتواصل مع شقيقتها زينب، التي أبلغتها أنّ سيارة تابعة للسفارة البابوية متوجّهة من جهة رميش، وطلبت منا محاولة إيقافها.

زحفتُ نحو الخارج، وأخرجت رأسي من تحت الباب لانتظار السيارة، لكنّ المسيّرة اقتربت مجدداً، فعُدت سريعاً إلى الداخل. جلست إلى جانب آمال، احتضنتها واحتضنتني، وغلبني النعاس من شدّة الإنهاك فنمت. لم أستفق إلا على وميض أحمر وصوت انفجار هائل. وجدت نفسي تحت الركام، أختنق، غير قادرة على التنفّس. لم تعد آمال بقربي. حاولت بكل ما أملك أن ألتقط أنفاسي وأبقى على قيد الحياة.
وعندما سمعت صوت سيارات الإسعاف، بدأت أنادي والدي لينقذني من هذا المكان. سحبني أحد المسعفين، وتوسّلت إليه ألّا يتركني، كنت مرعوبة، خصوصاً مع استمرار القصف حتى أثناء وصول فرق الإنقاذ.

في المستشفى، وما إن استيقظت، سألت فوراً عن آمال. قالوا لي إنها بخير، لكنّ ملامحهم كانت تقول عكس ذلك. عندها أدركت أنّها لم تعد موجودة.

■ كيف تعرفت إلى آمال؟
– تعرّفتُ اليها خلال فترة «حرب الإسناد» عام 2024، عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كنت أتابع التقارير التي تنشرها من الجنوب على «إنستغرام»، فأعجبت بعملها وضغطت زرّ المتابعة، وبدأت أتفاعل مع منشوراتها. لاحقاً، بادلتني المتابعة، واطّلعت على أعمالي في التصوير، خصوصاً أنني طالبة في اختصاص الإذاعة والتلفزيون في الجامعة اللبنانية الدولية، والتصوير هو مجالي الأساسي.

■ هل عملتما سوياً؟
– كانت أول تجربة عمل مشتركة لنا في بلدة ميس الجبل. يومها كنت أحمل الكاميرا وأسير خلف آمال التي نقلت إليّ الكثير من خبرتها المهنية، إذ كانت توجّهني إلى زوايا تصوير محدّدة وتطلب لقطات بعينها. بعدها، تنقّلنا معاً بين عدد من القرى الحدودية، من مارون الراس إلى يارون وبليدا، ومع الوقت توطّدت علاقتنا المهنية أكثر فأكثر.

كانت آمال كثيرة التردد إلى بنت جبيل، وغالباً ما كانت تمرّ بمنزلي لننطلق معاً إلى العمل. وخلال السنتين الأخيرتين، أصبحتُ كأنني ظلّها؛ أرافقها أينما ذهبت، وأكون حاضرة في كل مهمة صحافية تعمل عليها لـ «الأخبار». وفي أحيان كثيرة، عندما كانت تنشغل بتغطيات في مناطق أبعد، كنت أتولّى متابعة الأحداث في القرى القريبة من بنت جبيل، وأرسل لها المواد لتتولّى نشرها لاحقاً.

زينب فرج الطالبة الجامعية والصحافية
اسمي زينب فرج، من بلدة بنت جبيل. أدرس اختصاص «الإذاعة والتلفزيون» في الجامعة اللبنانية الدولية، في سنتي الجامعية الأخيرة، حيث أستعد لتقديم مشروع تخرّجي لنيل الشهادة. كان شغفي، ولا يزال، منصبّاً على الصحافة والإعلام؛ أحبّ الكاميرا والتصوير، وكان هدفي الدائم أن أتخصّص وأعمل في هذا المجال. قبل الحادثة، كنت قد جمعت معدّات تصوير شبه مكتملة، لكنها اليوم تحت الركام في الطيري.

بعد استشهاد آمال وما عايشناه في الجنوب، صار لديّ هدف إضافي يحمل اسمها: «آمال». بالنسبة إليّ، تختصر آمال صورة جريدة «الأخبار»، حتى بات اسمها يرافق اسم الجريدة في ذهني. هي التي علّمتني كيف يكون الإنسان صاحب حق وقوة، وكيف ينظر من يملك ضميراً حيّاً إلى العالم، واضعاً إنسانية الآخرين قبل نفسه. بفضلها، لن أتوقف عن مسيرتي العلمية والمهنية. ومن سريري في المستشفى، أتابع دروسي عن بُعد، وسأُنجز مشروع تخرّجي، وأكمل طريقي في هذا المجال.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى