من الركود إلى الاكتظاظ: النزوح يعيد نبض شارع الحمرا

زينب بزي
لطالما شكّل شارع الحمرا في بيروت واحداً من أبرز معالم بيروت التجارية والثقافية، ومقصداً دائماً للتسوّق والتنقّل بين محالّه ومقاهيه التي حملت لعقود نبض المدينة وحيويتها. غير أنّ هذا الشارع، الذي كان يوماً عنواناً للازدحام والحياة، فقد في السنوات الأخيرة جزءاً كبيراً من وهجه، خصوصاً مع الانهيار الاقتصادي الذي أصاب البلاد وأعاد رسم ملامح الحركة فيه. فبات مقصداً لفئة محدودة من الزائرين، أولئك الذين لا يزالون يرونه ملاذهم الأول والأخير، إضافة إلى بعض الوافدين العرب الذين يقصدونه بدافع الحنين إلى سمعته السابقة، وما ارتبط به من إرث ثقافي واجتماعي طالما ميّزه.
وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان المشهد في الحمرا مختلفاً تماماً. الشارع كان أكثر هدوءاً، الأرصفة شبه فارغة والمحال التجارية تعاني من ركود واضح. كما كانت تقتصر الحركة على بعض روّاد المطاعم والمقاهي. لكن هذا الواقع لم يدم طويلاً. اليوم، تغيّرت الصورة بشكل جذري، إذ عاد الشارع ليضجّ بالحياة، إلى حدّ أنك بالكاد تستطيع العبور من زاوية إلى أخرى دون أن تصطدم بالمارة، في ظل زحمة سير خانقة تعكس حجم الضغط المستجد. وإذا كنت من إحدى القرى الجنوبية أو من سكان الضاحية الجنوبية، فالمرور من الحمرا بات مناسبة شبه مؤكدة للقاء معارف وأصدقاء.
في هذا السياق، برز شارع الحمرا كواحد من أبرز الوجهات التي يقصدها النازحون للتسوّق وتأمين حاجاتهم اليومية. فبجولة واحدة على المحال التجارية، يتبيّن بوضوح حجم التحوّل الذي شهده السوق. من حالة ركود لافتة في الفترة الماضية، إلى حركة كثيفة تفرض أحياناً الانتظار في طوابير للدفع. ذلك كلّه يعود إلى واقع مؤلم، وهو أنّ أغلب الناس خرجت من منازلها بالثياب التي ترتديها، فقط لا غير. قلّة منهم من استطاعوا تجهيز حقائبهم. وحتى من فعل ذلك، لم يستطع أن يحزم كل حاجياته، فالحقيبة لا تتسع لحياة كاملة.
يضم هذا الشارع الرئيسي مجموعة من المحال المعروفة بعلاماتها التجارية، والتي عادت لتشهد إقبالاً غير مسبوق، يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الحركة الاقتصادية والاجتماعية في المكان. وفي جولة واحدة، تلاحظ حجم الإقبال على هذه المحال منذ بداية الحرب حتى اليوم. ويكاد يكون موسم الأعياد أعطى حافزاً إضافياً على ازدياد الحركة.
تشير مالكة إحدى المتاجر إلى أنّ المبيعات ارتفعت بنحو 70% مقارنة بالفترة السابقة
يؤكّد أحد العاملين في فرع الحمرا لدى » «LC Waikiki أنّ وتيرة الإقبال على المتجر شهدت ارتفاعاً ملحوظاً، إذ زادت الحركة بنسبة تقارب 40% مقارنة بالفترة التي سبقت التصعيد. ويشير إلى أنّ هذا الارتفاع لا يعكس فقط زيادة عدد الزبائن، بل تحوّلاً في سلوكهم الشرائي أيضاً، حيث يتركّز الطلب بشكل أساسي على قطع التصفية ذات الأسعار المنخفضة، ولا سيّما تلك المناسبة للطقس البارد. ويعزو ذلك إلى طبيعة النزوح المفاجئ، الذي يدفع المستهلكين إلى البحث عن خيارات عملية وسريعة تلبي حاجاتهم الأساسية بأقل كلفة ممكنة، في ظل تراجع القدرة الشرائية. كما يلفت إلى أنّ الحركة الحالية تفوق تلك التي سُجّلت خلال الحرب الماضية، مرجعاً ذلك إلى اتساع رقعة التهديدات، ما أدى إلى نزوح أعداد أكبر وتدفّقها نحو مناطق مثل الحمرا.
المشهد نفسه يتكرّر في محال »عقيل إخوان«، حيث تبدو مختلف الزوايا مكتظّة بالزبائن، في دلالة واضحة على تحوّل الشارع إلى نقطة استقطاب تجارية نشطة. وفي حديث مع مديرة الفرع، تؤكد أنّ نسبة الإقبال ارتفعت بشكل ملحوظ، لكنها تشدّد في المقابل على أنّ هذا الارتفاع لا يعني انتعاشاً استهلاكياً بالمعنى التقليدي، بل يقتصر على شراء الحاجيات الأساسية فقط. وتوضح أنّ سلوك المستهلكين بات أكثر ترشيداً، إذ تتركّز المشتريات على الضروريات مثل الملابس اليومية والأدوات المنزلية، مع غياب شبه تام للإنفاق الكمالي.
وفي متجر آخر في شارع الحمرا متخصّص ببيع الأحذية والحقائب، تشير المالكة إلى أنّ المبيعات ارتفعت بنحو 70% مقارنة بالفترة السابقة، وهو ارتفاع لافت يعكس حجم الطلب المرتبط بظروف النزوح. إلا أنها توضّح أنّ هذا النشاط شهد تراجعاً نسبياً بعد الأيام الأولى للحرب، التي سجّلت ذروة الإقبال. وتلفت إلى أنّ الطلب تركز بشكل أساسي على الأحذية المنزلية والأحذية الخفيفة من نوع »إسبادريل«، باعتبارها خيارات مريحة ومنخفضة التكلفة، تلائم الإقامة المؤقتة وظروف التنقّل المحدودة.
وفي باقي المحال، تبدو مؤشرات السوق واضحة من دون الحاجة إلى أرقام. حركة بيع نشطة، وعروض تمتدّ إلى الأرصفة حيث يعمد التجار إلى تصريف جزء من بضائعهم بأسعار مخفّضة تتراوح بين 5 و15 دولاراً. كما أنّ أغلب المحال، تضع على مداخلها كلمة » «SALE للإشارة إلى وجود تخفيضات وأسعار تناسب الجميع. وتغلب على هذه العروض سلع مرتبطة بالحاجات اليومية المباشرة، كملابس النوم والجوارب وملابس الأطفال، ما يعكس طبيعة الطلب المرتبط بحالات النزوح السريع.
هكذا، يعكس شارع الحمرا اليوم نموذجاً اقتصادياً خاصاً، حيث لا يرتبط ارتفاع الحركة بازدهار حقيقي، بل بضغط استثنائي فرضته الحرب. فالطلب القائم هو طلب اضطراري، تحرّكه الحاجة لا الرفاه، ويعيد تشكيل السوق مؤقتاً وفق أولويات البقاء والتكيّف، بانتظار عودة الاستقرار وعودة الناس إلى منازلهم وما تركوه خلفهم من تفاصيل حياتهم اليومية.
الأخبار



