النزوح يُغيّر خريطة الأسواق

رماح هاشم
لم يكن لدى الكثير من أهالي الجنوب والضاحية متسع من الوقت لاتخاذ قرارات مدروسة. ففي لحظات مُتسارعة فرضتها التطورات الأمنية، وجدت آلاف العائلات نفسها أمام خيار واحد: المغادرة. تركوا منازلهم ومحالهم وأعمالهم التي تُشكّل مصدر رزقهم الوحيد، وغادروا مناطقهم مُرغمين، حاملين معهم ما تيسّر من حاجياتهم وقلقهم على مستقبل غامض.
مع اتساع رقعة النزوح، تشير تقديرات رسمية إلى أن عدد النازحين تجاوز 800 ألف شخص خلال فترة قصيرة، أي ما يقارب خُمس سكان لبنان. هذا التحرك السكاني المفاجئ لم يبدّل فقط حياة العائلات التي اضطرت إلى الرحيل، بل فرض أيضًا ضغوطًا اقتصادية كبيرة على المدن والبلدات التي استقبلتهم.
في إحدى البلدات التي استقبلت نازحين، تجلس أمٌ جنوبية أمام متجر صغير تقول بصوت يختلط فيه التعب بالقلق: “خرجنا على عجل، لم نأخذ معنا سوى القليل. بيتنا وأغراضنا وحتى عمل زوجي تركناها خلفنا. كل ما نريده الآن هو الأمان”.
قصة هذه العائلة ليست استثناء، بل تتكرّر مع آلاف العائلات التي وجدت نفسها فجأة خارج مدنها وقراها، تبحث عن مأوى موقت وحياة يومية يمكن احتمالها.
هذا النزوح القسري لم يُغيّر فقط حياة العائلات التي اضطرت إلى الرحيل، بل أعاد أيضًا رسم المشهد الاقتصادي في المناطق التي استقبلتها. مع انتقال أعداد كبيرة من السكان خلال فترة قصيرة، شهدت الأسواق المحلية حركة غير اعتيادية، وارتفع الطلب على المواد الغذائية والخدمات الأساسية والإيجارات، ما خلق نشاطًا تجاريًا مفاجئًا في مناطق كانت تعاني أساسًا من ركود اقتصادي طويل.
لكن هذا النشاط يحمِل في طيّاته مفارقة قاسية. بينما تتحرك عجلة التجارة في بعض الأسواق نتيجة زيادة الاستهلاك، يبقى هذا الانتعاش مرتبطًا بمأساة اقتصادية وإنسانية يعيشها النازحون الذين اضطرّوا إلى ترك أعمالهم ومصادر دخلهم خلفهم.
طلب مفاجئ في الأسواق
مع وصول أعداد كبيرة من العائلات إلى عدد من المدن والبلدات التي تُعد أكثر استقرارًا أمنيًا، بدأت الأسواق المحلية تشهد تغيرًا واضحًا في حجم الحركة. المحال التجارية التي كانت تعاني من ضعف الإقبال خلال الأشهر الماضية، سجّلت ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الزبائن خلال فترة قصيرة.
يقول صاحب متجر للمواد الغذائية في إحدى المناطق المستقبلة للنازحين لـ “نداء الوطن”: “في الأيام الأخيرة لاحظنا تغيرًا واضحًا في السوق. الطلب على المواد الأساسية ارتفع بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة، خصوصًا على الخبز والمياه المعبأة والمواد الغذائية السريعة”.
يضيف: “عائلات نازحة كثيرة تقوم بشراء حاجاتها اليومية بكميات محدودة ولكن بشكل متكرر، ما يخلق حركة مستمرة في المتاجر”.
هذا الارتفاع في الطلب لا يقتصر على المواد الغذائية فحسب، بل يشمل أيضًا الصيدليات ومحال الخضار والمخابز وحتى محال الملابس، ما يعكس حجم التغير الذي أحدثه انتقال السكان خلال فترة قصيرة.
المطاعم والمقاهي
القطاع الآخر الذي شهد انتعاشًا ملحوظًا هو قطاع المطاعم والمقاهي، إذ ارتفعت نسبة الإقبال عليها بشكل واضح في بعض المناطق.
صاحب أحد المطاعم يوضح الصورة لـ “نداء الوطن”، بالقول: “الحركة أصبحت أفضل بكثير من الأشهر الماضية. هناك عائلات كثيرة لا تملك إمكانية الطهو يوميًا بسبب ظروف السكن الموقت، لذلك يعتمدون أحيانًا على المطاعم”.
ويشير إلى أن “الإقبال ارتفع بنسبة تقارب 20 إلى 30 في المئة مقارنة بالفترة السابقة التي كانت تشهد ركودًا واضحًا في السوق”.
لكن هذا النشاط، بحسب أصحاب المطاعم، يبقى مرتبطًا بظروف استثنائية، إذ يدرك كثيرون منهم أن هذه الحركة قد تتراجع بسرعة إذا تغيّرت الظروف الأمنية أو عاد النازحون إلى مناطقهم.
قطاع آخر شهد ارتفاعًا في حركته، هو قطاع إيجارات المنازل، الذي تأثر بالنزوح . فقد ارتفع الطلب بشكل كبير على الشقق المفروشة والمنازل الموقتة، خصوصًا في المناطق التي استقبلت عددًا كبيرًا من العائلات.
اقتصاد قائم على الاستهلاك الطارئ
من الناحية الاقتصادية، يُعتبر ما يحدث في هذه المناطق نوعًا من الانتعاش الاستهلاكي الطارئ الناتج عن تغير ديموغرافي سريع. مع انتقال عدد كبير من الأشخاص إلى منطقة محددة، يرتفع الطلب تلقائيًا على السلع والخدمات، ما يؤدي إلى تحريك الأسواق ولو بشكل موقت.
لكن هذا النوع من النشاط الاقتصادي لا يعكس بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في الاقتصاد، لأنه يعتمد على ظروف استثنائية وغير مستقرة.
ويُمكن توصيف ما نشهده اليوم بأنه زيادة في الطلب نتيجة انتقال السكان، وليس نتيجة تحسن في الدخل أو الإنتاج، لذلك يبقى هذا الانتعاش هشًا وقابلًا للتراجع بسرعة.
النازحون… إنفاق محدود
رغم الحركة التي تشهدها الأسواق، فإن واقع النازحين أنفسهم يبقى صعبًا. فكثير من العائلات التي غادرت الجنوب والضاحية تركت خلفها أعمالها ومصادر دخلها.
يقول أحد النازحين: “كنت أعمل في محل تجاري في الضاحية. اليوم نحن نقيم عند أحد الأقارب، وكل ما نصرفه هو من مدخرات بسيطة. لا نعرف كم يمكننا الاستمرار بهذا الشكل”.
هذا الواقع يجعل الإنفاق لدى الكثير من النازحين إنفاقًا اضطراريًا يقتصر على الحاجات الأساسية، ما يعني أن الحركة الاقتصادية الحالية قد لا تستمر لفترة طويلة.
مخاوف من موجة ارتفاع أسعار
مع زيادة الطلب في بعض المناطق، بدأت تظهر مخاوف من ارتفاع الأسعار، خصوصًا في ظل ضعف الرقابة على الأسواق.
وفي هذا الإطار، يشير بعض التجار إلى أن “الضغط على بعض السلع قد يؤدي إلى ارتفاع أسعارها إذا لم يتم تأمين كميات كافية في السوق”.
يأتي هذا التحرك في الأسواق في وقت يعيش فيه لبنان واحدة من أسوأ أزماته الاقتصادية في تاريخه، حيث تشير تقديرات دولية إلى أن أكثر من 80 في المئة من السكان باتوا تحت خط الفقر، فيما فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 95 في المئة من قيمتها منذ عام 2019.
في هذا السياق، تبدو الحركة التجارية التي تشهدها بعض المناطق اليوم استثناءً موقتًا أكثر منها مؤشرًا على تحسن اقتصادي فعلي، إذ إن النشاط الاقتصادي الحقيقي يعتمد على الاستثمار والإنتاج والاستقرار، وهي عوامل ما زالت غائبة إلى حد كبير عن المشهد اللبناني.
انتعاش موقت في اقتصاد هش
تكشف الحركة التجارية في المناطق التي استقبلت النازحين عن مفارقة واضحة في الاقتصاد اللبناني. ففي الوقت الذي تستعيد فيه بعض الأسواق جزءًا من نشاطها بعد فترة طويلة من الركود، يدفع النازحون أنفسهم الثمن بعدما اضطروا إلى ترك أعمالهم ومصادر رزقهم خلفهم.
وبينما تستفيد بعض القطاعات من زيادة الطلب، يبقى هذا الانتعاش مرتبطًا بظروف استثنائية فرضها النزوح. وفي ظل اقتصاد هش مثل الاقتصاد اللبناني، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول هذه الحركة إلى فرصة لتنشيط الاقتصاد المحلي، أم أنها مجرد قفزة موقتة في سوق يعيش على وقع الأزمات؟
نداء الوطن



