مخيم النزوح البحري في «البيال»: الدولة لم تمر من هنا!

رماح إسماعيل
التواجد على شاطئ البحر في مثل هذه الأيام لا يعدّ رفاهية لممارسة الرياضة أو التقاط الصور، إنما هرباً من القصف الإسرائيلي. فالمتواجدون على شواطئ بيروت اليوم مهجرون، إما من الجنوب، حيث يتوعدهم العدو بقضم قراهم، أو من الضاحية التي تتحول أبنيتها في كلّ يوم إلى ركام لا يصلح للعيش. هكذا هو المشهد من واجهة بيروت البحرية، المعروفة باسم «البيال»، والتي تحوّلت إلى مخيم للنازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع.
داخل هذه الخيام «الخفيفة» التي لا تصمد في غالبية الليالي أمام الرياح البحرية، ولا تقي من الأمطار، تعيش اليوم عائلات أُبعدت قسراً عن بيوتها بعد جملة من إنذارات الإخلاء التي نشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي. بالنسبة إليهم، الخيمة ليست خياراً طوعياً، إنما كانت حلاً وحيداً للإيواء لهم في ظل إهمال دولتهم لهم وعدم فتح مراكز إيواء كافية، ما جعل من المدارس مكتظة، فضلاً عن ترك تجار العقارات يطلبون إيجارات خيالية على هواهم، وبشروط مجحفة.
والدولة في «البيال» تحضر على شكل دوريات أمنية لـ«حماية رواد الزيتونة باي» من مشهد النزوح، فتلاحق أي خيمة شاردة وتعيدها مع صاحبها إلى المنطقة البعيدة من أعين أصحاب اليخوت وروّاد المطاعم الفخمة. أما المساعدات، فهي على عهدة المبادرات الفردية والجمعيات الخيرية.
على أرض «البيال» حضر الوعي السياسي للنازحين عند سؤالهم عن مدّة إقامتهم هنا، إذ أجمع المقيمون في الخيام على أنّ «الإقامة مؤقتة، والعودة إلى المنازل والقرى قريبة»، بحسب ما قالوا لـ«الأخبار» التي جالت في المنطقة والتقت عدداً من النازحين. إنّما دون هذه الأمنية «حسم المعركة وكف يد الاحتلال الإسرائيلي عن البلطجة التي عانى منها أهالي الجنوب والبقاع والضاحية على مدار 15 شهراً كان من المفترض أن تكون اتفاقاً تحت شعار وقف إطلاق النار، وهذا ما لم يفعله العدو يوماً»، وفقاً لتوصيفهم.
في خيمة مرتبة، تعيش نجاة وطفلاها وزوجها. نجاة قالت إنها «تحاول أن تجعل خيمتها جنة» كي لا يشعر أطفالها بـ«التغريبة»، حاولت وزوجها تأمين العائلة في مدرسة، لكنها كانت من النازحين الذين تأخروا عن الخروج من منازلهم في محلّة الشياح، فلم تجد مكاناً بسبب الاكتظاظ. يومها جالت جمع عائلتها في بيوت بحثاً عن مكان لاستقبالهم، فوجدوا الخيام في «البيال»، وقرروا إمضاء أيام الحرب إلى جانب من يقاسمهم هذه المشقة.
تحاول نجاة أن تجعل خيمتها جنة كي لا يشعر أطفالها بقساوة التهجير
أما عباس من برج البراجنة، فهو حالة لافتة للنظر، حيث افتتح «بسطة» لبيع الجوارب أمام خيمته. يقول عباس لـ«الأخبار» إنّه فقد منزله ومحله التجاري مع الضربات الأولى التي نفذتها الطائرات الإسرائيلية على الضاحية، فأنقذ ما يمكن إنقاذه من البضائع في المحل المدمر، وقام بتأمين زوجته وأطفاله في منزل لأقربائه، ثم جاء إلى «البيال» ناصباً خيمته.
«ما بعرف أقعد بلا شغل… بدي استرزق وين ما كنت»، يقول عباس، يروي أنّه «عاد تحت القصف إلى برج البراجنة ليعاين أضرار ممتلكاته بعد القصف، فوجد قليلاً من البضاعة سلمت من الدمار، حملها وعاد إلى الخيمة وقرر أن يستكمل حياته كتاجر تحت أي ظرف». وفي تقييمه لحركة التجارة أثناء النزوح، يشير إلى أنّ «الشغل ماشي والأسعار بنور الله».
بالنسبة إلى الحاجة سناء من بلدة قبريخا الجنوبية، فإن «أهل الخير كثر». تروي أن رحلة وصولها إلى «البيال» كانت برفقة ابنها وحفيدها، فوجدت شاباً يوزع الخيام على الجميع بمبادرة فردية. وهذه المبادرة آوت عشرات العائلات والخيام، وقدّمها أحد الشبان الذي لا يريد أن ينام أحد في العراء بلا سقف يغطيه حتى لو كان خيمة.
المبادرات الفردية
خلال الجولة في «البيال» لم تجد «الأخبار» أثراً للدولة، فالفراغ كلّه ملأته المبادرات الفردية، والتي بدأت من توزيع الخيام على النازحين، ولا تنتهي عند تأمين الطعام والدوام. وبسبب تحوّل المكان إلى ما يشبه المخيّم للنازحين، يحضر كلّ الذين يرغبون بالمساعدة لتأمين ما أمكن. على سبيل المثال، تشير الحاجة سنا النازحة من بلدة قبريخا الجنوبية إلى تأمين أدويتها من قبل عدد من الشبان الذي حضروا إلى المنطقة وسألوا عن الحاجات، لافتة إلى أنّ «نفاذ الدواء لديها كان أكثر ما تخشاه في النزوح».
وفي ما يتعلق بالطعام، فأجمع من التقتهم «الأخبار» أنّه يوزع عليهم بشكل شبه يومي»، وأيضاً من المبادرات الفردية أو الجمعيات الخيرية. وقبيل موعد الإفطار نصبت مجموعة من الشباب مطبخاً متنقلاً على أطراف «البيال»، وبقدور كبيرة ومحاولات لإشعال النار تحتها بسبب الرياح، كانوا يعدون إفطاراً للأهالي النازحين يغطي المنطقة بأكملها.
المسؤول عن المطبخ وصاحب المبادرة سامر زهوي قال لـ«الأخبار» إنّه يحضر بشكل يومي إلى المنطقة لإعداد الإفطار للنازحين، ويلفت إلى أنّه كان يعده في مطبخ مستقل بعيداً من «البيال»، لكنه قرر المجيء إلى هنا ليعد وفريقه الطعام للأهالي ويوزعه مباشرة لهم، كي لا يقدم إليهم بارداً.
العائلات السورية النازحة
العائلات السورية ليست قليلة في «البيال»، وهم مثل اللبنانيين كانوا يقيمون في البقاع والجنوب والضاحية، ونزحوا منها. لدى سؤالهم عن سبب عدم التفكير في العودة إلى سوريا في ظل ما يمر على لبنان، يجيب محمد من درعا بأنّ «الوضع الأمني في سوريا ليس جيداً بعد خاصة في محافظته الجنوبية»، ما يجعله يفضل البقاء في لبنان والعودة إلى عمله في قرية العاقبية جنوبي لبنان بعد انتهاء الحرب.
أما ريما من حلب قالت إنّ بيتها في سوريا تهدم خلال سنوات الحرب، إذاً لا مكان تعود إليه في حال قررت الرجوع، مشيرةً إلى أنها تعيش في لبنان منذ 20 عاماً، لذا تعدّ ريما نفسها لبنانية، وهي تنتظر انتهاء الحرب للعودة إلى منزلها في حي السلم بالضاحية الجنوبية.
«أهل غزة مش أحسن منا»، بهذه الكلمات يجيب أبو حسين البالغ من العمر 70 عاماً والمهجر من قرية تول الجنوبية، في مقاربة منه للمشهد ما بين الخيام على بحر بيروت وبحر غزة. بالنسبة إليه «هذا ثمن كلمة لا في وجه الاحتلال، ومن يقبل أن يحتل الإسرائيلي أرضه ويسكن بيته ويأكل زرعه لا يستحق الهوية والانتماء، وإن كان الثمن أياماً في الخيمة تتبعها سنوات في أرض حرة لا يدنسها الإسرائيلي فالخيمة قصر والصبر على مشقتها بطولة».
الأخبار



