مسيرات مليونية تتحدّى العدوان: إيران تتوقّع استهداف السواحل وعمليات أمنية

محمد خواجوئي
طهران | في اليوم الرابع عشر للحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وتحت القصف، خرج ملايين الإيرانيين في طهران ومدن أخرى في مسيرات «يوم القدس العالمي»، في ما جلّى مظهراً جديداً من التضامن والصمود. ومنذ سنوات، تُنظَّم مسيرات «يوم القدس» في آخر جمعة من شهر رمضان، غير أن فعّاليات هذا العام أُقيمت في ظروف استثنائية بسبب تزامنها مع الحرب. ومع هذا، سُجّلت هذه المرة مشاركة شعبية أوسع ممّا كان يُحصى في الأعوام السابقة، وذلك على الرغم من التهديدات والضربات الإسرائيلية – الأميركية.
وقبل ساعات من انطلاق المسيرات، تعرّضت مناطق مختلفة من طهران لقصفٍ واسع وعنيف، استهدف إثارة الخوف بين المواطنين وثنيهم عن المشاركة. كما أنه قبيل بدء التظاهرات بدقائق، أصدرت إسرائيل إنذار إخلاء لمنطقتين في طهران تقعان على مسار التظاهرة في وسط العاصمة. إلا أن كلّ ذلك لم يؤثّر على الحضور الشعبي، بل عزّز من دافع الناس إلى المشاركة. وتزامنت الفعّالية المركزية في العاصمة، أيضاً، مع ضربات على مقربة من مكان تنظيمها أسفرت عن مقتل شخص واحد على الأقلّ – بحسب ما أفادت وكالة «إرنا» الرسمية -، في حين أظهرت المشاهد المتداولة أن المشاركين هتفوا بعد الانفجار بشعارات مندّدة بإسرائيل، وواصلوا المسيرة من دون انقطاع، رافعين صوراً للمرشد الشهيد علي خامنئي، ونجله وخلفه مجتبى خامنئي، ودائسين على صور للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وكان من أبرز ملامح المسيرات في طهران أيضاً، مشاركة عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين فيها، رغم المخاطر الأمنية المرتفعة واحتمال التعرّض لمحاولات اغتيال. ومن بين هؤلاء، الرئيس مسعود بزشكيان، وأمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» علي لاريجاني، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وقائد الشرطة أحمد رضا رادان، الذين ظهروا علناً بين الحشود، في خروج نادر منذ بدء الهجوم الأميركي – الإسرائيلي.
وقال لاريجاني، للتلفزيون الإیراني بعيد وقوع ضربات على موقع قريب من مكان التظاهرة، إن «هذه الهجمات مصدرها الخوف واليأس. فالقوي لا يقصف تظاهرات على الإطلاق. من الواضح أن (الهجوم) فشِل». وأضاف أن ترامب «لا يفهم أن الشعب الإيراني هو أمّة شجاعة، أمّة قوية، أمّة مصمّمة. كلّما زاد الضغط، بات تصميم هذه الأمة أقوى». کما سُمع دوي انفجار بينما كان محسني إيجئي يتحدّث إلى التلفزيون، قائلاً: «شعبنا لا يخاف من القصف، سنواصل المضيّ على هذه الطريق».
أحد الأهداف غير المُعلنة للعدوان يتمثّل في إضعاف قدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع أي اضطرابات
ويأتي ذلك فيما تدخل الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أسبوعها الثالث، من دون أن يلوح في الأفق أيّ مؤشر واضح إلى نهايتها. فعلى الرغم من الهجمات الواسعة التي استهدفت منشآت وقواعد عسكرية إيرانية، تواصل إيران إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل واستهداف مواقع في دول المنطقة، في وقت بات فيه مضيق هرمز في قلب هذه المواجهة. وفي المقابل، تشير المعطيات إلى أن العمليات ضدّ إيران ستتواصل في الأسبوع المقبل على مستويَين: الأول، والذي يُرجّح أن تتولّاه الولايات المتحدة بشكل أساسي، يتمثّل في استهداف مواقع إيرانية في المناطق الساحلية المطلّة على الخليج ومضيق هرمز، بهدف تقليص قدرة إيران على مهاجمة السفن. كما من المُرجّح أن يشمل هذا المستوى استهداف بنى تحتية غير مدنية، من قبيل المرافئ النفطية أو المصافي أو محطّات توليد الكهرباء، وذلك في سبيل زيادة الضغط على طهران ودفعها إلى ما وصفه ترامب بـ«الاستسلام».
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى يمكن لمثل هذه الهجمات أن تحدّ فعلياً من العمليات الإيرانية، خصوصاً مع تهديد طهران بالردّ بالمثل على أيّ استهداف من النوع المذكور. وفي هذا السياق، ردّ لاريجاني على تصريح ترامب الذي قال فيه: «أستطيع خلال ساعة واحدة قطع الكهرباء عن إيران، لكنني لم أفعل»، بالقول في منشور له على وسائل التواصل الاجتماعي: «إذا أقدم على ذلك، فإن المنطقة بأكملها ستغرق في الظلام خلال نصف ساعة».
أمّا المستوى الثاني، والذي يُتوقَّع أن تأخذه إسرائيل على عاتقها، فيتمثّل في عمليات أمنية داخل الأراضي الإيرانية، تشمل محاولات اغتيال واستهداف لقوات الأمن، وذلك بهدف إثارة اضطرابات داخلية وتهيئة الظروف لنزول معارضي النظام إلى الشارع. ومنذ ثلاث ليال، تنفّذ طائرات مُسيّرة إسرائيلية هجمات تستهدف نقاط تفتيش في مناطق مختلفة من طهران. كما أن مراكز الشرطة كانت خلال الأسبوعين الماضيين من بين أهداف الاعتداءات الإسرائيلية، وهو ما يشير إلى أن أحد الأهداف غير المُعلنة للعدوان يتمثّل في إضعاف قدرة الأجهزة الأمنية على التعامل مع أيّ اضطرابات أو احتجاجات في الشارع.
وعلى الرغم من ما تقدّم، فإن وجود قوات «الباسيج» وأنصار النظام في الشوارع قد يشكّل أحد أبرز العوائق أمام تنفيذ مثل هذا السيناريو، وإن كان في الوقت نفسه يرفع من احتمالات اندلاع مواجهات أو حرب داخل المدن. والسيناريو الأخير هذا، هو الذي تسعى إسرائيل، بحسب بعض التقديرات، إلى الدفع به قدماً، رغبة منها، على ما يبدو، في إضعاف النظام عبر التوترات والصراع الداخلي.
في المقابل، وعلى الرغم من وجود شبه إجماع في الصحافة الأميركية والغربية على فشله، واصل ترامب التباهي بنتائج العدوان، وزعم خلال اجتماع افتراضي مع قادة «مجموعة السبع» أن إيران «على وشك الاستسلام»، وفقاً لما ذكر ثلاثة مسؤولين من دول المجموعة اطّلعوا على مضمون المكالمة. وقال هؤلاء، لموقع «أكسيوس»، إن ترامب أبلغ القادة القلقين من التداعيات الاقتصادية للحرب: «لقد تخلّصت من سرطان كان يهدّدنا جميعاً»، مضيفاً أنه «لا أحد يعرف من هو القائد، لذلك لا يوجد من يمكنه إعلان الاستسلام».
واعتبر ترامب أن «الوضع في هرمز يتحسّن وأنه ينبغي للسفن التجارية استئناف عملياتها في المنطقة»؛ علماً أنه بالتزامن مع حديثه، أُضرمت النيران في ناقلتَي نفط قبالة سواحل العراق. وقال ترامب إن السؤال الرئيس الذي يعمل على حسمه هو توقيت إنهاء الحرب، مستدركاً بأنه لم يحدّد موعداً نهائياً، معتبراً أن «علينا إنهاء المهمة لتجنّب حرب أخرى مع إيران بعد خمس سنوات».



