قانون الانتخاب مخالف للدستور: تمييز وسوء تمثيل ولا عدالة في المقاعد والأصوات

رلى إبراهيم
لطالما اشتكت قوى سياسية لبنانية من قوانين وسياسات أُقرّت في ظل اتفاق الطائف ووصايات خارجية، لما خلّفته من آثار ثقيلة على البنية الدستورية للنظام التمثيلي، إذ أسهمت في إنتاج تكتّلات وشخصيات سياسية عبر التلاعب بخيارات الناخبين وتطويع القانون الانتخابي. وما أُقرّ في تسعينيات القرن الماضي تحت شعار المناصفة ومنع الهيمنة العددية، حمايةً للسلم الأهلي، افتقر إلى آليات تصحيحية تواكب التحوّلات الديموغرافية، فكرّس سوء التمثيل واللَّاعدالة في توزيع المقاعد والأصوات.
وبدل معالجة هذه الاختلالات، لجأ القيّمون على الحكم إلى ترقيعات تخدم مصالحهم السياسية وتعمّق الفوارق الطائفية، ما أسهم في توسيع الفجوة التمثيلية بين الناخبين المسيحيين والمسلمين بين عامي 1992 و2025 إلى مستويات غير مقبولة، جعلت القيمة النسبية لصوت مواطن تعادل نحو ضعفي قيمة صوت مواطن آخر.
ومهما حاول السياسيون التخفيف من وطأة ما اقترفته أيديهم، بات الإخلال بمبدأ المساواة قاعدة تحكم عمل الدولة، من دون أن يستنفر من يدّعون حماية الدستور والحقوق لتصحيح هذه الجريمة التي أصابت المواطن والحياة السياسية في الصميم. فالتشريع الانتخابي ليس أداة تقنية محايدة، بل فعل سياسي بامتياز يحدّد شكل التمثيل ويؤثّر مباشرة في نتائج العملية الديمقراطية.
ولا ينطلق هذا النقاش من الدعوة إلى نظام انتخابي مثالي، بل من السعي إلى تحقيق أفضل الممكن، مع مراعاة الخصوصيات الاجتماعية والسياسية لكل مجتمع والمرحلة التاريخية التي يمرّ بها. فبعد نحو تسع سنوات على إقرار نظام انتخابي جديد يعتمد النسبية في الدوائر الصغرى، عُدّ يومها «إنجازاً سياسياً» في مرحلة ما بعد الوصايات، وقانوناً «داخلياً» حظي بموافقة غالبية القوى السياسية، بات من الضروري إخضاع هذا القانون لتشريح علمي وموضوعي.
ومن هذا المنطلق، أعدّ خبير الإحصاءات والشؤون الانتخابية كمال فغالي دراسة مفصّلة في كانون الأول 2025 بعنوان «مراجعة النظام التمثيلي النيابي في لبنان في ضوء أحكام المادة 24 من الدستور ومقدّمته»، ولا سيما مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، كما طُبّق منذ أول انتخابات نيابية بعد اتفاق الطائف عام 1992.
وتكمن أهمية هذه الدراسة في اعتمادها على تحليل لوائح قيد الناخبين لعام 2025، وفي كشفها المخاطر الجدية المترتّبة على الاستمرار في النهج نفسه، الذي لم يُنتِج سوى تباعد متصاعد بين التوزيع الدستوري للمقاعد النيابية والواقع الديموغرافي الفعلي للهيئة الناخبة. وقد أفضى ذلك إلى اختلالات بنيوية في القيمة التمثيلية والوزن الانتخابي، تجلّت على مستويات متعدّدة، من التفاوت بين الدوائر الانتخابية، إلى الفوارق بين المسلمين والمسيحيين، وبين الطوائف داخل الديانة الواحدة، وصولاً إلى تفاوتات داخل الطائفة الواحدة نفسها.
فئات دينية كاملة محرومة من التمثيل النيابي رغم تسجيلها في لوائح الناخبين
وبلغت هذه الاختلالات حداً لم يعد معه ممكناً تبريرها بمنطق التوازنات الانتقالية أو بذريعة حماية الأقليات، إذ تحوّلت في كثير من الحالات إلى تفاوت جوهري في فعّالية الصوت الانتخابي، يُرجّح قيمة صوت مواطن على حساب آخر، في تعارض صريح مع مبدأ المساواة السياسية. ويمتد هذا الخلل إلى جوهر الحقوق السياسية، ولا سيما حق الترشّح، إذ تكشف الدراسة حرمان فئات دينية كاملة من التمثيل النيابي رغم تسجيلها في لوائح الناخبين، بما يُقوّض مبدأ شمولية التمثيل ويُضعِف مفهوم المواطنة.
كما تُظهر الدراسة أن هندسة الدوائر الانتخابية وآليات الاقتراع، ولا سيما حصر الصوت التفضيلي ضمن الدائرة الصغرى، أسهمت في تعميق الفجوات التمثيلية، وحوّلت قانون الانتخاب من أداة لتحقيق العدالة التمثيلية إلى وسيلة لإدارة التوازنات السياسية ورسم خريطة نيابية تتلاءم مع مصالح الأحزاب، حتى قبيل إجراء الاستحقاقات، بفعل قدرتها المُسبقة على توقّع النتائج.
وعليه، لا تدّعي هذه الدراسة تقديم «حلّ نهائي» للنظام التمثيلي في لبنان، بل تهدف إلى توثيق الاختلالات القائمة وقياس حجمها واتجاهاتها، والتنبيه إلى مخاطر الاستمرار في تجاهلها، بوصف ذلك مساساً تراكمياً بمبدأ المساواة السياسية وبمشروعية التمثيل النيابي، إلى حين إقرار الحل الدستوري الشامل المنصوص عليه في اتفاق الطائف، والمتمثّل بإلغاء الطائفية السياسية وبناء دولة المواطنة.
الفجوة الأولى: التوزيع الديني
يُظهِر تتبّع تطوّر القيمة التمثيلية لصوت الناخب في لبنان انتقال الخلل من مستوى محدود نسبياً إلى اختلال بنيوي متفاقم. فقد ارتفع الفارق في القيمة التمثيلية بين الناخب المسيحي والمسلم من 13.2% عام 1992 إلى نحو 98% عام 2025، بزيادة تقارب سبعة أضعاف ونصف ضعف. ويُعزى هذا المسار أساساً إلى التحوّلات الديموغرافية العميقة التي شهدتها البلاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، والتي شكّل مرسوم التجنيس الصادر عام 1994 أحد عناصرها المفصلية، نظراً إلى تأثيراته التراكمية على البنية السكانية ولوائح قيد الناخبين.
وقد جاءت انتخابات 1992 في أعقاب تعديل المادة 24 من الدستور، التي أرست مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين بهدف تحقيق توازن مرحلي بعد حرب أهلية طاحنة واستنفار مذهبي، في وقت كان المسلمون يشكّلون نحو 53% من الناخبين مقابل 46.8% للمسيحيين. أمّا في عام 2025، فقد ارتفعت نسبة الناخبين المسلمين إلى 66.4% مقابل 33.5% للمسيحيين، ما أوجد فجوة ديموغرافية كبيرة تنعكس مباشرة على الاستحقاقات الانتخابية، في ظل قانون انتخابي لم يعترف بهذا الواقع الجديد ولم يضع أسساً تراعي هذا التفاوت وتضمن التمثيل الصحيح.
الفجوة الثانية: قيمة الصوت الانتخابي ووزنه
ليس هناك قانون انتخابي عادل يحقّق المساواة المنصوص عليها في الدستور ويكفل حقوق المواطنين كاملة. إلا أنّ واجب المُشرِّع يقتضي السعي إلى وضع معايير تُفضي إلى حدٍّ أدنى من احترام هذه المساواة، وتُعطي صوت الناخب قيمة متساوية بين الدوائر، فلا يشعر أيّ مواطن أنّه أدنى مرتبة من غيره فقط لأنّ قيده، على سبيل المثال، في عكار أو في الجنوب.
غير أنّ الوقائع الرقمية تكشف فجوةً واسعة في الوزن الانتخابي، إذ يبلغ عدد الناخبين لكل مقعد في دائرة بيروت الأولى 16,695 ناخباً، و19,378 في كسروان، و21,062 في جزين، مقابل 56,749 ناخباً لكل مقعد في بنت جبيل، و55,594 في النبطية، و53,266 في صور، و46,569 في عكار. أي إنّ الفجوة النسبية تصل، على سبيل المثال، إلى نحو 240% بين بيروت الأولى وبنت جبيل، بما يعني أنّ وزن الصوت الانتخابي للمواطن في بيروت الأولى يوازي ثلاثة أضعاف ونصف ضعف وزن صوت ناخب بنت جبيل.
وللمفارقة، لم يكن هذا التفاوت بهذا الاتساع عام 1992، إذ كان يُراوِح بين نحو 18 ألف ناخب للمقعد في بيروت، و27 ألفاً في النبطية و20 ألفاً في عكار. وعليه، فإن الإشكالية المطروحة اليوم لا تتصل بمبدأ المناصفة بحدّ ذاته، بقدر ما تتعلّق بكيفية تطبيقه في ظل تحوّلات ديموغرافية عميقة، جعلت الفارق في القيمة التمثيلية ووزن الصوت الانتخابي يتجاوز منطق التسوية ليبلغ حدود التمييز غير المُبرَّر دستورياً. فالدستور لا يجيز قيام نظام تمثيلي يُفضي بصورة دائمة ومطلقة إلى مضاعفة قيمة صوت مواطن على حساب آخر، أياً تكن الذرائع السياسية أو التاريخية المُعتمدة.
وإذا انتقلنا من مستوى الدوائر إلى الصورة الأوسع، يتبيّن أنّ معادلة توزيع الأصوات والمقاعد تُفضي إلى مقعد واحد لكل 42 ألف ناخب مسلم، مقابل مقعد لكل 21 ألف ناخب مسيحي. ما يعني عملياً أنّ القيمة التمثيلية والوزن الانتخابي للناخب المسيحي يبلغان نحو 198% من نظيريهما لدى الناخب المسلم، أي ما يقارب الضعف. وهذا الفارق تجاوز بكثير هامش «التفاوت المقبول» الذي قصده المُشرِّع الدستوري في مرحلة ما بعد الحرب، ليغدو خللاً بنيوياً دائماً يُفرِغ مبدأ المساواة السياسية من مضمونه.
«ناخب بسمنة وناخب بزيت»
خلافاً للسائد، كان الخلل في توزيع المقاعد على الطوائف إبّان أول انتخابات أُجريت بعد إقرار اتفاق الطائف محدوداً نسبياً مقارنة بما هو عليه اليوم. فالعمل وفق لوائح قيد الناخبين لعام 2025 يُظهِر تفاوتاً واضحاً في توزيع المقاعد بين المسلمين والمسيحيين. وإذا صحّ ما يردّده المسؤولون السياسيون عن حرصهم على مبدأ المساواة بين الناخبين والطوائف، فإنّ ذلك يفرض إعادة النظر في هذا الخلل وتصحيحه بما يضمن تناسباً فعلياً بين الطوائف.
ويُفضي مثل هذا التصحيح، من الناحية الحسابية، إلى إضافة مقعدين للطائفة السنّية التي يبلغ عدد ناخبيها نحو مليون وثلاثمئة ألف ناخب، ما يتيح لها الحصول على 29 مقعداً نيابياً بدل 27 حالياً. كما يقتضي إضافة مقعدين إلى حصة الطائفة الشيعية، لترتفع من 27 إلى 29 مقعداً، استناداً إلى عدد ناخبيها البالغ نحو مليون ومئتي ألف ناخب. في المقابل، تُظهِر الدراسة أنّ حصة الطائفة الدرزية غير متناسبة مع حجم ناخبيها، البالغ نحو 228 ألفاً، بحيث يوجب التصحيح خفض عدد مقاعدها من ثمانية إلى خمسة، وحصر تمثيل الطائفة العلوية بمقعد واحد، قياساً إلى عدد ناخبيها البالغ 41,317.
وفي موازاة ذلك، يستدعي التصحيح إضافة مقعدين إلى حصة الموارنة، ليصبح عدد مقاعدهم 36 بدل 34، انسجاماً مع عدد ناخبيهم البالغ 772,497 ناخباً، ورفع عدد مقاعد الأقليات المسيحية من مقعد واحد إلى اثنين، قياساً إلى 45,288 ناخباً. وفي المقابل، يقتضي إنقاص مقعدين من حصة طائفة الروم الأرثوذكس (264,459 ناخباً)، ومقعد واحد من حصة طائفة الأرمن الأرثوذكس (81,894 ناخباً).
ومن الواضح أنّ سوء توزيع المقاعد على الدوائر، إلى جانب حصر الصوت التفضيلي في الدائرة الصغرى، أفضيا إلى هذا النظام التمثيلي غير المتكافئ، بحيث تحوّلت النسبية من أداة يُفترض أن تعزّز العدالة إلى آلية تُكرّس اللامساواة. فالنسبية المُعتمدة في القانون الحالي لا تؤمّن العدالة في قيمة الصوت الانتخابي حتى ضمن الطائفة الواحدة.
وقد بلغ الاختلال في القيمة التمثيلية حدّاً يجعل صوت الناخب المسلم في جبيل يتفوّق من حيث الوزن الانتخابي على صوت الناخب المسلم في عكار بنحو ثلاثة أضعاف، إذ يصل عدد الناخبين المسلمين إلى نحو 22 ألف ناخب لكل مقعد في دائرة جبيل، مقابل نحو 62 ألف ناخب لكل مقعد في عكار. والأمر نفسه ينسحب على قيمة صوت الناخب المسيحي، إذ يبلغ عدد الناخبين المسيحيين نحو 11 ألفاً لكل مقعد في طرابلس، مقابل أكثر من 32 ألف ناخب للمقعد الواحد في دائرة جبيل، أي بفجوة نسبية تقارب 200% بين الدائرتين.
تفاوت بين الدوائر الانتخابية وفوارق بين المسلمين والمسيحيين وبين المذاهب وداخل المذهب الواحد
انطلاقاً مما سبق، يرى فغالي أنّ تصحيح هذا الخلل يقتضي «نقل ممارسة الصوت التفضيلي من الدائرة الصغرى إلى الدائرة الكبرى، بما يعيد الاعتبار إلى جوهر النسبية بوصفها تصويتاً سياسياً – برنامجياً وحزبياً، ويتيح للناخب الحزبي الاقتراع لمرشّح حزبه ضمن الدائرة الكبرى من دون أن يكون مُقيّداً بحدود جغرافية مصطنعة». فـ«الصيغة المُعتمدة حالياً تحرم مناضلين حزبيين من ممارسة حقهم في الاقتراع لممثليهم الطبيعيين»، كما في حالة السوريين القوميين في دائرتَي النبطية وبنت جبيل، الذين يُمنعون من الاقتراع لمرشّح حزبهم في حاصبيا – مرجعيون، أو القوميين في البترون وزغرتا وبشري الذين لا يُتاح لهم التصويت لمرشّحهم في الكورة.
ومن جهة ثانية، يؤدّي حصر الصوت التفضيلي ضمن نطاق الدائرة الصغرى إلى تقييد فعلي لحق فئات واسعة من الناخبين المنتشرين داخل دائرة انتخابية كبرى واحدة، والمنتمين إلى طائفة معيّنة، في التأثير المباشر على اختيار ممثّلي طائفتهم أو دينهم. فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد الناخبين المسيحيين في دائرة الشمال الثانية 34,433 ناخباً، من بينهم 17,480 ناخباً في قضاء المنية – الضنية (9,488 من الأرثوذكس و7,992 من الموارنة)، إلا أنّ هؤلاء يُحرمون من إمكانية الاقتراع للمقاعد المسيحية المُخصّصة للدائرة في مدينة طرابلس.
وبصورة أوضح، كان المقعد الماروني في طرابلس، وفق قانون 1992 الذي اعتمد الصيغة الأكثرية على أساس المحافظة، ممثّلاً للناخبين الموارنة في طرابلس والمنية – الضنية، والبالغ عددهم آنذاك نحو 19,650 ناخباً، وكان بإمكانهم جميعاً ممارسة حق الاقتراع لأي مرشّح ضمن دائرة الشمال. أمّا القانون الانتخابي الحالي، فقد جرّد هذا المقعد من وظيفته التمثيلية الموسّعة، وحوّل المرشّح عليه إلى ممثّل حصري لموارنة طرابلس الذين لا يتجاوز عددهم اليوم 4,238 ناخباً.
وينسحب هذا القيد كذلك على دائرة الجنوب الثالثة، حيث يبلغ عدد الناخبين المسيحيين 47,339، من بينهم 23,252 ناخباً في بنت جبيل والنبطية، من دون أن يكون بمقدورهم منح أصواتهم التفضيلية للمقعد المسيحي في مرجعيون – حاصبيا. وعلى المنوال نفسه، لا يستطيع الناخبون المسيحيون في صيدا، ضمن دائرة الجنوب الأولى (2,964 ناخباً)، منح صوتهم التفضيلي للمقاعد المسيحية في جزين؛ كما لا يتمكّن الناخبون المسيحيون في صور، ضمن دائرة الجنوب الثانية (11,782 ناخباً)، من منح صوتهم التفضيلي للمقعد الكاثوليكي في الزهراني. كذلك لا يستطيع الناخبون الأرثوذكس في أقضية البترون وزغرتا وبشري ضمن دائرة الشمال الثالثة (13,201 ناخب) منح صوتهم التفضيلي للمقعد الأرثوذكسي في الكورة، ولا يتمكّن الناخبون الكاثوليك في قضاء عاليه ضمن دائرة جبل لبنان الرابعة (4,024 ناخباً) من منح صوتهم التفضيلي للمقعد الكاثوليكي في الشوف.
ولا يختلف الأمر عند الانتقال إلى الطوائف الأخرى. فقد بلغ التفاوت في القيمة التمثيلية للناخب داخل الطائفة الدرزية مستويات قصوى، إذ يُقارن بين 5,760 ناخباً لكل مقعد نيابي درزي في دائرة بيروت الثانية، مقابل 38,001 ناخب لكل مقعد في دائرة عاليه، أي بفجوة نسبية تقارب 560%، ما يجعل قيمة الصوت الدرزي في بيروت تفوق بأكثر من ستة أضعاف قيمة صوت ابن الطائفة نفسها في عاليه.
وينطبق هذا الاختلال أيضاً على الناخبين الشيعة، إذ يُراوِح عدد الناخبين لكل مقعد نيابي بين 19,435 في دائرة جبيل و54,169 في دائرة مرجعيون – حاصبيا، بما يعكس فجوة نسبية تقارب 178% بين الدائرتين. أمّا في ما يتعلّق بالطائفة السنية، فيُراوِح عدد الناخبين لكل مقعد نيابي بين 24,608 ناخبين في دائرة بعلبك – الهرمل و75,737 ناخباً في دائرة عكار، أي بفجوة نسبية تقارب 207% بين الدائرتين. وحتى ضمن الأقضية الشمالية نفسها، يظهر تفاوت كبير في الأوزان التمثيلية على النحو الآتي:
– الضنية: 32,882 ناخباً لكل مقعد
– طرابلس: 43,871 ناخباً لكل مقعد
– المنية: 46,900 ناخب لكل مقعد
– عكار: 75,737 ناخباً لكل مقعد
وعليه، يخلص فغالي إلى أنّ التفاوت الجسيم في القيمة التمثيلية للناخب داخل الطائفة الواحدة، كما تظهره لوائح عام 2025، يبيّن أنّ الإشكالية لم تعد محصورة بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بل تطاول جوهر المساواة السياسية بين المواطنين. ومن هنا، يصبح تصحيح هذا الخلل شرطاً أساسياً لإعادة الاعتبار للتمثيل النيابي كحق دستوري، لا كأداة لإدارة الوقائع الديموغرافية.
فهذا النوع من الاختلال أخطر من التفاوت بين الطوائف، إذ يُسقِط أي تبرير قائم على حماية الأقليات أو التوازن الطائفي، ويُظهِر خللاً مباشراً في مبدأ المساواة داخل الجماعة الواحدة، بما يتعارض مع مقوّمات النظام البرلماني وأحكام مقدّمة الدستور بشأن المساواة بين اللبنانيين.
الفجوة الثالثة: اختلال بنيوي في أصوات ومقاعد غير المقيمين
عندما يُبنى القانون على أسس غير متينة تتجاهل مبدأ المساواة، ينسحب الخلل على كل البنود. فمثلاً، المادة 112 من قانون الانتخاب، المُخصّصة لتمثيل اللبنانيين غير المقيمين بستة مقاعد موزّعة بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين وعلى القارات المختلفة، تكشف عن تفاوت بنيوي في القيمة التمثيلية للصوت.
فوفق إحصاءات 2022، يُراوِح عدد الناخبين بين 1,263 في أميركا الجنوبية و68,534 في أوروبا، أي بفجوة نسبية تقارب 5,325%، ما يجعل قيمة صوت الناخب في أميركا الجنوبية تزيد بـ 53 ضعفاً مقارنة بالناخب الأوروبي، وهو إخلال صارخ بمبدأ المساواة. التفاوت نفسه يظهر بين أفريقيا (18 ألف ناخب) وآسيا (57 ألفاً). علماً أن إضافة مقاعد لغير المقيمين تمّت من دون تعديل أعداد الناخبين، واعتمدت صيغة «مقعد لكل قارة» اعتباطياً من دون أيّ استناد إلى أعداد الناخبين الفعلية أو إلى توزيعهم الجغرافي الخارجي، ما أدّى إلى فجوات تمثيلية هائلة وتفاوت في شروط المنافسة وتكافؤ الفرص. وهذا الخلل ليس أثراً جانبياً بل نتيجة مباشرة لنهج تشريعي يفتقر للأسس العلمية والمعايير التمثيلية الموضوعية.
من جهة أخرى، أظهرت نتائج انتخابات عام 2022 الخاصة بالناخبين غير المقيمين تفاوتاً حاداً في أنماط التصويت مقارنة بالمقيمين، بما يتجاوز حدود التباين الانتخابي الطبيعي، ويعكس خللاً بنيوياً في التمثيل السياسي.
ففي دوائر البقاع الثالثة والجنوب الثالثة وبيروت الأولى والثانية، سجّلت بعض الجبهات السياسية لدى غير المقيمين نسب تفوّق راوحت بين ضعفين ونصف ضعف وأربعة أضعاف ونصف ضعف مقارنة بالنتائج المُسجّلة لدى المقيمين في الدوائر نفسها. وفي المقابل، أظهرت دوائر الجبل الرابعة، وبيروت الأولى والثانية، والبقاع الثالثة، والشمال الثالثة تفوّقاً معاكساً، إذ فاقت نسب التأييد لدى المقيمين تلك المُسجّلة لدى غير المقيمين بما يراوِح بين ضعفين وأكثر من ضعفين ونصف ضعف.
ولا يمكن تفسير هذا التفاوت الحاد على أساس الانتماءات المناطقية أو الطائفية، إذ إنّ اقتراع غير المقيمين شمل ناخبين من مختلف الدوائر والطوائف، ما يُسقِط فرضية التمثيل الجزئي أو الانتقائي. كما لا يمكن اعتباره انعكاساً مباشراً لإرادة سياسية متمايزة للجاليات اللبنانية في الخارج، بقدر ما يدلّ على عدم مشاركة فعلية ومتوازنة لمجمل القوى السياسية الناشطة داخل البلاد في عملية الاقتراع الخارجي.
مقتضيات سياسية لا عدالة تمثيلية
كان يُفترض بالقوى السياسية الراغبة بتحسين الواقع الانتخابي وإرساء عدالة تمثيلية فتح باب النقاش حول بنود القانون وتعديلاته فور الانتهاء من الاستحقاق الانتخابي. فمن البديهي ألا تتمكّن هذه القوى المتناحرة سياسياً من التوافق على أدنى التفاصيل لسعي كلّ منها إلى فرض تعديلات تتناسب ومصالحها السياسية.
لكنّ غالبية الأحزاب نامت 4 سنوات لتستفيق قبيل موعد الانتخابات بأشهر قليلة، طالبة إضفاء تعديلات جذرية من باب «التصحيح» و«إنصاف المغتربين». وهي شعارات شعبوية لا تتعدّى كونها نوعاً من الاحتيال لتمرير تعديلات مريبة في توقيتها قبل الاستحقاق مباشرة، وضمن نهج تشريعي يقوم على تفصيل قواعد المنافسة الانتخابية وفق مقتضيات اللحظة السياسية، لا وفق متطلّبات العدالة التمثيلية أو الاستقرار القانوني.
ويؤدّي هذا النهج عملياً إلى إخضاع النظام الانتخابي لموازين القوى الآنية، بما يفرغه من وظيفته كإطار محايد لتنظيم العملية الديمقراطية. وللحدّ من هذا الخلل، بحسب الدراسة، يُفترض فرض قيود زمنية صارمة على تعديل القوانين الانتخابية أسوة بما اعتمدته ديمقراطيات راسخة، بحيث يُحظر إدخال أي تعديل جوهري على النظام الانتخابي ضمن مهلة زمنية محدّدة تسبق موعد الانتخابات.
وتهدف هذه القيود إلى منع استغلال السلطة التشريعية من قبل الأغلبية الحاكمة لتغيير قواعد المنافسة قبيل الاستحقاق، وضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين وصون حقوق الناخبين، وتكريس الاستقرار التشريعي كشرط أساسي لنزاهة العملية الانتخابية. ووضع فغالي مجموعة توصيات تصل إلى حدّ إعادة النظر الشاملة في النظام الانتخابي قبل نهاية عام 2028، وتشمل تخصيص المقاعد الستة لغير المقيمين بالكامل للمرشحات الإناث ضمن كوتا مرحلية ومن دون أي توزيع طائفي. وتقترح تعليق اقتراع غير المقيمين في انتخابات 2026 بشكل استثنائي ومؤقّت. فهل تجرؤ الأحزاب على تطبيق توصيات مماثلة؟
مواطنون تحرمهم الدولة من حقّ الترشح!
أدّى تطبيق اتفاق الطائف إلى حرمان الطائفة اليهودية في لبنان والبالغ عدد ناخبيها 4,148 من حقّها في التمثيل النيابي، بعدما كانت مُمثَّلة سابقاً ضمن فئة الأقليات. ويشكّل هذا الإقصاء مخالفة لمبدأ شمولية التمثيل، وللحقّ في المشاركة السياسية المنصوص عليه في الدستور، ولا يمكن تبريره لا ديموغرافياً ولا دستورياً، خصوصاً أنّ فئة «الأقليات» لا تزال قائمة ومُعتمدة في النظام الانتخابي.
لا يقتصر هذا الحرمان على طائفة واحدة بل يشمل فئات دينية ومذهبية أخرى من بينها اللادينيون الذين يبلغ عدد الناخبين منهم 16 ألفاً و356 ناخباً، مقابل عدد لا يتجاوز المئة ناخب للبهائيين والبوذيين والهندوس والإسماعيليين. فهؤلاء، بغضّ النظر عن عددهم، مُسجّلون في لوائح الناخبين ويُفترض أن يتمتعوا بحقوق الناخب كاملة، إنما في الواقع تحرمهم الدولة اللبنانية من حقّ الترشّح للنيابة. ويبلغ عدد المواطنين المحرومين 20,499 ناخباً أي ما يقارب 0.5% من إجمالي الناخبين وفق لوائح قيد الناخبين لعام 2025، ما يشكّل انتهاكاً لمبدأ المساواة في الحقوق السياسية، ويقوّض مفهوم المواطنة الدستورية.
في موازاة ذلك، يمتدّ الإقصاء الطائفي الى التمييز بين طائفة الفرد وطائفة السجلّ المُعتمدة في أقلام الاقتراع. ففي حال الزواج المختلط على سبيل المثال، تُسجّل الزوجة تلقائياً على سجلّ الزوج، ما يجبرها يوم الانتخاب على الاقتراع في القلم المُخصّص لطائفة الزوج، الأمر الذي يكرّس التمييز الذكوري والعنصري المبنيّ على أسس ثقافية وسياسية وقانونية بائدة. والمفارقة أنه في حال رغبةِ المرأة المتزوّجة بالترشّح، يتمّ اعتماد طائفتها كفرد وليس طائفة سجلّ قيد زوجها.
الأخبار



