حين تعجز الدولة… يبدأ دور الإنسان (بقلم الإعلاميّة آمال مغنيّة)

في كل مرة يُذكر فيها الجنوب تحت وطأة الخطر، لا يمرّ المشهد من دون أن يبرز وجهٌ مختلف… وجهٌ لا يكتفي بالمشاهدة، بل يختار أن يكون جزءاً من الحل.
في لحظات الفوضى، حين يركض الناس بحثاً عن مكان آمن، وحين تصبح الطرقات مليئة بالقلق والوجوه المتعبة، يظهر اسم *حسن مصطفى* ابن بلدة الغازية و صاحب مطعم *ليلاس* في مدينة صيدا ، لا كصاحب عمل، بل كعنوان إنساني ثابت في زمنٍ متقلّب.
مع كل أزمة، ومع كل تهديد، أبواب مطعم ليلاس تُفتح لكل محتاج.
ببساطة لافتة، ومن دون أي حسابات، يخرج بفيديو قصير، لكن أثره كبير:
“أبواب مطعم ليلاس مفتوحة لأي حدا مهددة منطقتو… تعوا ارتاحوا هون”.
جملة قد تبدو عادية للبعض، لكنها بالنسبة للكثيرين… كانت الفرق بين الخوف والطمأنينة.
بين البقاء في الشارع، أو إيجاد مكان يُشبه البيت.
لا يسأل من أين أتيت، ولا إلى أي طائفة تنتمي،ولا أي جنسية تحمل.
وفي كل مرة، يفتح أبوابه للجميع… بلا مقابل،من دون أن يمدّ يده بفاتورة، ومن دون أن ينتظر شيئًا في المقابل.
في قاموس حسن، الإنسان أولًا… وكل ما عدا ذلك تفاصيل.
هكذا، يتحوّل مطعم “ليلاس” من مساحة عادية إلى ملجأ إنساني حيّ.
الطاولات تصبح أماكن راحة،
الكراسي تتحوّل إلى حضن مؤقت،
والجدران تشهد على قصص خوفٍ تحوّلت، ولو لساعات، إلى أمان.
الأطفال يجدون زاوية يهدأ فيها بكاؤهم،
والأهالي يجدون لحظة لالتقاط أنفاسهم،
وكل داخل إلى هذا المكان يشعر بشيء نادر… أنه غير متروك.
ما يفعله حسن لا يمكن اختصاره بكلمة “مبادرة”.
لأن المبادرات غالبًا مؤقتة، مرتبطة بحدث أو ظرف.
أما ما يقدّمه هو، فهو نهج، سلوك متكرّر، وموقف ثابت لا يتبدّل مع الظروف.
والأهم، أن كل ذلك يحدث بعيداً عن أي استعراض، لا كاميرات تُلاحق التفاصيل، ولا سعي للانتشار،ولا حسابات للربح والخسارة.
هو لا ينتظر الشكر، ولا يبحث عن تصفيق، بل يتحرّك بدافع واحد:
“ما في حدا لازم يضل بالشارع”.
في زمنٍ أصبحت فيه الإنسانية مادة للنشر، ومحتوى قابلًا للقياس بعدد المشاهدات، يختار حسن أن يُعيد تعريف المعنى الحقيقي للعطاء… عطاء لا يُصوَّر، بل يُعاش.
قد لا يحمل لقب ناشط إنساني، ولا يظهر على منصّات كرمز، لكن ما يفعله يضعه في مكان لا تصله الألقاب.
هو لا يقدّم خدمة عابرة، هو يخلق مساحة كرامة.
لا يقدّم مساعدة فقط، بل يزرع شعورًا بأن هذا البلد، رغم كل شيء، ما زال فيه من يشبهنا… ويشعر بنا.
في بلدٍ أنهكته الأزمات، وانقسم فيه الناس تحت ضغوط الخوف، تأتي أفعال كهذه لتقول بصوتٍ واضح:
الإنسانية لا تنتمي إلى جهة… ولا تُختصر بهوية.
حسن، ببساطته، لا يفتح أبواب مطعم فقط…
هو يفتح بابًا لفكرة أعمق:
أن الخير لا يحتاج إلى قرار، وأن الأمان… قد يبدأ من شخص قرّر ألا يُقفل بابه بوجه أحد.
في زمنٍ تهيمن فيه الأخبار السلبية، ويصبح الخوف مادة يومية للتغطية الإعلامية، يثبت حسن أن القصة الأجمل لا تأتي من الأحداث المأساوية وحدها، بل من من يختار أن يكون خبرًا عن الإنسانية.
هو دليل حي أن الأخبار لا تقتصر على نقل المأساة… بل هي فرصة لتسليط الضوء على من يترك بصمته في الواقع، وحسن أثبت أنه من هؤلاء، وأن الإنسانية الحقيقية تصنع الفرق.



