اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

اقتصاد الحرب: الأسعار إلى الأعلى

رماح هاشم

في خضمّ الظروف الاستثنائية التي يعيشها لبنان، حيث تتداخل تداعيات الحرب مع الأزمات الاقتصادية المتراكمة، يجد المواطن نفسه أمام موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تطول مختلف السلع الأساسية. وبين تضاؤل القدرة الشرائية وتزايد القلق من فقدان بعض المواد، يتصاعد الجدل حول فعالية الرقابة ودورها في كبح جماح الغلاء.




يفرض الواقع الميداني معادلات مختلفة عن النظريات القائمة، إذ لم تعد آليات الضبط التقليديّة قادرة على مواكبة حالة عدم الاستقرار. الحرب لا تفرض فقط تحدّيات أمنية، بل تعيد رسم قواعد السوق، من كلفة الإنتاج والنقل إلى توازن العرض والطلب، ما يجعل أيّ محاولة لضبط الأسعار بمعزل عن هذه العوامل أمرًا معقّدًا.

في هذا السياق، تبرز مقاربة رئيس نقابة مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي، الذي يضع ارتفاع الأسعار في إطار أوسع يرتبط بكلفة الطاقة، وتعطّل الإنتاج، واختلال حركة التوزيع، وصولًا إلى تأثيرات إقليمية ودولية مرشحة لمزيد من التصاعد. قراءة تعكس واقعًا ضاغطًا، تتداخل فيه حسابات السوق مع كلفة الحرب التي باتت تفرض نفسها على مختلف مفاصل الحياة اليومية.



ديناميكية الحرب

في ظلّ الحديث المتزايد عن غياب الرقابة لضبط الأسعار، يلفت بحصلي، إلى أن “المراقب نفسه قد يكون نازحًا، فنحن نعيش اليوم في ظروف حرب استثنائية”.

ويشدّد خلال حديث مع “نداء الوطن”، على أن “ديناميكية الحرب تختلف جذريًا عن ديناميكية السلم، وبالتالي لا يمكن التعامل مع مسألة ضبط الأسعار وكأن الأوضاع طبيعية ومستقرّة”، داعيًا في الوقت نفسه “جميع الأطراف، من مواطنين وتجار، إلى عدم استغلال هذه الظروف”. ويوضح أن “وجود ما يُعرف بـ “تجار الأزمات” لا يعني أن جميع التجار كذلك، وهذه نقطة أساسيّة يجب التأكيد عليها”.



الطاقة تضغط على الأسعار

عن أسباب ارتفاع الأسعار، يشرح بحصلي أن “سعر الطاقة ارتفع بما لا يقل عن 40 %، ما ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج والتوزيع”، مشيرًا إلى أن “نسبة تأثير الطاقة تختلف من قطاع إلى آخر، لكن جميع الشركات تعتمد على النقل، وقد ارتفعت كلفته بنحو 50 %”.

يضيف أن “هذا الواقع ينعكس بزيادة تقديرية على الأسعار بحدود 5 %، مع تفاوت بين الشركات، خصوصًا تلك التي تعمل على مدار الساعة”.

ويضيء على عامل إضافي يتمثل في “تعطّل جزء كبير من الأراضي اللبنانية، ما يؤدي إلى انخفاض العرض وارتفاع أسعار السلع، لا سيّما الخضار والفواكه ذات الاستهلاك اليومي”، مؤكدًا أن “ارتفاع الطلب مقابل تراجع العرض يفرض حكمًا زيادة في الأسعار”.



النقل والتوزيع

كما يشير إلى تفاوت الأسعار بين المناطق، لافتًا إلى أن “المناطق غير المستقرّة أمنيًا تشهد كلفة نقل أعلى تصل إلى ثلاثة أضعاف، نتيجة اضطرار الأهالي إلى إرسال سائقين خاصين لجلب البضائع من بيروت، ما يرفع السعر النهائي على المستهلك”. ويؤكد أن “التاجر في هذه المناطق لا يستفيد بالضرورة، بل يتحمّل كلفة أعلى تفرضها ظروف الحرب”.

ويعتبر بحصلي أن “الأزمة الحالية تختلف عن أزمات سابقة، إذ إن ارتفاع أسعار الطاقة طال العالم بأسره، إضافة إلى ارتفاع كلفة مواد التعبئة كالبلاستيك والألمنيوم”. ويحذّر من تداعيات خارجية محتملة، مشيرًا إلى أن “أي تطور في مضيق هرمز قد يؤثر على إنتاج الغاز، وبالتالي على مواد أساسية في الزراعة، ما ينذر بأزمة عالمية إذا استمرّ الوضع على ما هو عليه”.



15% نسبة ارتفاع تقديرية مع اختلاف بين القطاعات

عن نسبة ارتفاع الأسعار، يقدّرها بحوالى “15 %”، مع التأكيد أن “لكلّ قطاع خصوصيته، خاصة في ظلّ تعطّل نحو ثلث الأراضي الإنتاجية”.

أما في ما يخصّ فقدان بعض السلع أو تقنين توزيعها، فيوضح أن “بعض التجار يرفعون طلباتهم بشكل مبالغ فيه خوفًا من الانقطاع، ما يفرض نوعًا من التنظيم في التوزيع للحفاظ على استقرار السوق”. ويضيف أن “سلوك التخزين لدى المواطنين يزيد الضغط أيضًا”.



لا فقدان للسلع…

يختم بحصلي بالتأكيد أن “فقدان البضائع غير متوقع في الوقت الراهن، خصوصًا أن مرفأ بيروت لا يزال يعمل والبضائع تصل بشكل طبيعيّ”.

في المحصّلة، يبدو أن مسار الأسعار في لبنان لم يعد مرتبطًا بعوامل داخلية فحسب، بل أصبح أسير تشابك معقد بين كلفة الحرب وتقلّبات الأسواق العالمية وتحدّيات الإنتاج والتوزيع. واقع يفرض نفسه بقوّة، حيث تتراجع القدرة على الضبط التقليديّ، ويصبح المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تختلّ فيها التوازنات يومًا بعد يوم.

ومع استمرار هذه الظروف، تبرز الحاجة الملحّة إلى قدرٍ أعلى من المسؤولية الجماعية، سواء من الجهات الرسمية أو من مختلف مكوّنات السوق، للحدّ من تفاقم الأزمة. فبين الخوف من الغلاء والتخزين، وخشية الاستغلال أو الانقطاع، يبقى الرهان على إدارة الأزمة بوعي وتعاون، تفاديًا لانزلاق الأوضاع نحو مستويات أكثر حدّة يصعب احتواؤها لاحقًا.

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى