اخر الاخبار

ناشطون إسرائيليون في منصات اللبنانيين.. بحثًا عن “المشترك”!

المدن ــ نور صفي الدين

تترافق الحملة العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي على لبنان مع حملة إعلامية، أقل ما يقال فيها، إنّها مُحكمة، ومدروسة ومرتبطة بكل التطورات التي تشهدها ساحة المعركة بكافة تعرجاتها ومفاصلها.

المعركة تبدأ من سحق معنويات اللبنانيين من خلال الترويج لاحتلال مناطق لبنانية لم يُحسم وصول الجيش الإسرائيلي ٳليها بعد، وصولاً الى “خطف” أصوات اللبنانيين في وسائل التواصل الاجتماعي، وإعادة تشكيلها وترجمتها على صفحات إسرائيلية تحاول الترويج لمساعي إسرائيل في تكريس السلام في المنطقة، والبحث عن نقاط الشبه بين الادعاءات الإسرائيليّة في تحرير لبنان من “عدو الداخل المشترك”، وهؤلاء المعارضين.


تأنيب الصوت اللبناني
على مدى اسابيع، اعتاد الناطق باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي نشر مقاطع الفيديو، يرد فيها على أصوات لبنانية مدافعة عن المقاومة، لتأنيبها أو تهديدها، أو تلك المقاطع التي  يباركها، فيتبنى فيها ما يصدر عن لبنانيين منتقدي الحرب، شرط أن يخرجها من سياقها لتصبح وكأنها جزء من الرواية الإسرائيلية التي تثني على دور إسرائيل كمخلص اللبنانيين من غطرسة “حزب الله”.. ووصل به الحد الى الاستهزاء بتصريحات لشخصيات لبنانية معروفة غلّبت الوطنية في منشوراتها، وذلك في مسعى الى تشويه ما صدر عنها وقولبته ليُفهم في غير مبتغاه، والتكثيف من الانقسام بين اللبنانيين، مما أجبرها على الرد للوقوف عند محاولات دس السم في الرأي العام اللبناني.


اللبنانيون في إسرائيل
النمط الذي شهدناه منذ الثامن من تشرين الاول / أكتوبر 2023، حين وضع أفيخاي نفسه في دور الحَكم الذي يقيم أداء اللبنانيين في الداخل، تعدّى المساحة الرسمية الى صفحات ناشطين ٳسرائيلين ولا سيما اللبنانيين الناطقين بالعربية منهم، والذين لجؤوا الى إسرائيل على وقع تحرير الجنوب في الـ2000، يقومون بإعادة مشاركة منشورات أو فيديوهات، على صفحاتهم، لناشطين وسياسيين لبنانيين يعارضون تدخل “حزب الله” في الحرب، أو لا يتوافقون مع سياسيته في الداخل.

ووصل الأمر، الى التعليق على هذه المنشورات، حتى فتح باب النقاش بين الجهتين،  اللبنانية والإسرائيلية، عبر خاصية التعليق، من دون الاكتراث الى القانون اللبناني الذي يحظر بشكل مطلق ويجرم التواصل مع إسرائيل. هذا الأخير الذي دخل تطبيقه في غيمة رمادية، مع تحول وسائل التواصل الاجتماعي الى المنفذ الرئيسي للوقوف عند أبرز مجريات وتصريحات وٳنذارات الجيش الإسرائيلي.

السيطرة على الخطاب الإعلامي

اقتناص مثل هذه الخطابات التي يصورها الجانب الإسرائيلي على أنّها تتناسب مع دوافعه في  تحرير لبنان من “سلطة القمع”، وتأطيرها ثم إعادة تداولها ونشرها، لا يمكن أن نراه كفعل عفوي أو عشوائي أو حتى شكلي، فٳن السيطرة على الخطاب الإعلامي هي ٳحدى وسائل إدارة المعركة، وتشكيل مسار وعي جديد يتخطى المرحلة الزمنية الحالية.

واليوم نشهد تماهياً في الطريقة والوسائل بين الجيش الاسرائيلي والمجتمع المدني الإسرائيلي في خطوة لتصوير فرضية الحسم الإيجابي من قبل الإسرائيليين الذين يحاولون مشاركة اللبنانيين مأساتهم الوجودية. فسلطة اللغة في هذه المعركة تتعدى التأثير على مجريات المعركة، وٳنما تمهد لتشكيل نظرة جديدة حول الخصم قد تستمر فعاليتها حتى مع انتهاء الحرب. وٳذا كان الهدف من تأطير الرواية من قبل الجيش الإسرائيلي هو بناء سردية أخرى، وٳشغال اللبنانيين عن مطاعمهم، فٳن المحاولات التي يقوم بها الناشطون الإسرائيليون تتعدى التأثير الى البحث عن قنوات حوار وتواصل مع لبنانيون يعتقدون بأنّ زوال خطر إسرائيل على لبنان مشروط بزوال “حزب الله” في المصاف الأول.

التماهي المنشود
يحاول الإسرائيلي أن يعيد اختلاق سردية “حليفه” المنشود في الداخل، ومن ثم يقوم بتصويره على أنّه الحليف الحقيقي الذي يشاطره الرأي والموقف، فيخطف صوته، ويحتكره ويعيد ٳنتاجه في السياق الذي يريده. يتجاهل الناشطون الإسرائيليون عن قصد مطامع إسرائيل في لبنان، والمجازر المرتكبة بحق المدنيين، للتركيز على العدو المشترك، فيما يتهم المعارضون اللبنانيون بشراسة “حزب الله” الى ما وصل اليه الحال متجاهلين وقائع التاريخ التي تثبت بأن المقاومة في العادة هي نتيجة وليست سبباً.
لكن الأخطر من الايهام بأن الطرفين يحملان الموقف نفسه، هو في تعزيز الانقسام بين اللبنانيين مع تحول الساحة اللبنانيّة الى جبهتين “ٳما أن تكون معنا” أو أن تحسب في أنك تستخدم أسلوب العدو في الطرح.

هذا الاصطفاف المدفوع بالاحتقان الطائفي والاصطفاف السياسي ولغة التخوين، وأخيراً المحاولات الإسرائيلية في تكريس الهوى بين الطرفين، يزعزع صفة الشراكة في الوطن، ويحوّل الصراع بين فئات الداخل اللبناني الى منفذ للآلة الإعلامية الاسرائيلية. فالمعارضة حق بديهي لا يمكن الغاؤه أو تقويضه مهما كانت الظروف، لكن نزع الوحشية عن إسرائيل والمساواة بين العدو والخصم السياسي، تعني حتماً أنّ المصلحة ستكون لصالح الأولى.
أمّام كل ذلك، أصبح نمط إعادة انتاج الخطاب من قبل إسرائيل، أمراً مكشوفاً، لكن مع اشتداد الاختلاف حول تقرير مصير البلاد، يبدو أنّ هذه الممارسات لا تزال قادرة على تحقيق غاياتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى