اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

أوروبا ولبنان: قلق من حروب الجنوب والشرق

فراس الشوفي

يبعث الغزو الإسرائيلي للبنان وتصاعد موجات التهجير والتدمير قلقاً شديداً لدى الدول الأوروبية، فضلاً عن المخاوف من الفوضى الداخلية. وينصبّ الاهتمام الأوروبي على الساحة اللبنانية رغم تأثيرات الحرب على إيران عالمياً، لفهم ما يحصل ومحاولة توقّع النتائج في بيروت، مع السيناريوهات السلبية التي ترسمها منذ الآن مجريات الحرب على واقع الكيان اللبناني برمّته. فأوروبا التي لا تزال تحاول احتواء تداعيات الأزمة السورية المستمرة، تخشى اليوم من أزمة لبنانية مفتوحة تكرّسها وقائع الحرب.

وتبدو المحاولات الأوروبية، خصوصاً الفرنسية (القليلة والمحصورة حتى الآن)، للتدخل بفاعلية ومحاولة وقف الغزو إن كان عبر الضغط على الأميركيين والإسرائيليين لوقف إطلاق النار في لبنان، أو للضغط والتواصل مع حزب الله، معدومة النتائج، مع تصميم كل طرف على خوض الحرب لتحقيق أهدافه، وعدم امتلاك الأوروبيين أوراق كافية لفصل المعركة في لبنان عن المعركة في إيران.

أبرز الأمثلة سعي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إقناع رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو للبحث في وقف لإطلاق النار مع لبنان، لكنه أحبط بعد تلقيه رداً سلبياً من تل أبيب، رغم أن الموقف الفرنسي تمايز عن الموقفين الألماني والبريطاني تجاه العدوان الإسرائيلي ــ الأميركي على إيران. وكذلك الأمر بالنسبة إلى مبادرة الرئيس جوزف عون للتفاوض المباشر مع العدو بحضور أورسلا فوندرلاين، من دون أن يدفع ذلك إسرائيل إلى مجرّد البحث في الأمر.

وبحسب معلومات مصادر غربية تتواصل مع الإسرائيليين، فإن حكومة الاحتلال ترفض إعطاء أي دور للأوروبيين أو للأمم المتحدة بما خص لبنان، أو حتى نقل رسائل بين بيروت وتل أبيب، وأن المسؤولين الإسرائيليين يتحدّثون بوضوح عن استمرار الحرب، وتفضيلهم الاعتماد على الدور الأميركي عندما يحين موعد البحث في وقف إطلاق النار.

وفيما لا تزال بريطانيا وألمانيا تقاومان الضغوط التي يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عليهما للانخراط علانيةً في الحرب ضد إيران، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة رفض برلين ولندن تغيير النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالقوة العسكرية. فحكومتا المستشار الألماني فريدريك ميرتس ورئيس الحكومة البريطاني سترمر، اللتان تخشيان تحمّل نتائج الحرب لأسبابهما الداخلية والتاريخية، سبق أن أسهمتا في رفع منسوب التوتر الغربي ضد طهران، لا سيّما بعد نقطة التحوّل التي أحدثتها الحرب الروسية ـ الأوكرانية. فالتعاون الإيراني ـ الروسي، والصراع الأمني مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية في أوروبا، دفع برلين ولندن إلى التصعيد أكثر ضد طهران خلال السنوات الفائتة بما يتجاوز حتى الموقف الأميركي أيام إدارة الرئيس جوزف بايدن، حتى في مرحلة ما بعد سبعة أكتوبر.

التصعيد الأوروبي ضد طهران لا يستثني لبنان، خصوصاً مع اعتبار الدول الأوروبية أن حزب الله فتح المعركة من جنوب لبنان إسناداً لإيران وبأوامر من الحرس الثوري الإيراني، إلّا أن ذلك لا يلغي خشيتهما من أن تقود الحرب الإسرائيلية إلى تحطيم لبنان بذريعة نزع سلاح حزب الله، كون غالبية الأوروبيين يعتقدون أن مهمة نزع السلاح، هي مهمة شاقة وربما مستحيلة من دون حوار داخلي بين السلطة اللبنانية وحزب الله، تفادياً لوقوع صراع أهلي يشظّي الكيان ويطلق موجة هجرة غير مسبوقة.

أحبط الأوروبيون برفض إسرائيل منحهم أي دور في لبنان، وتراجعت آمالهم في حل أممي لإبقاء قواتهم في الجنوب


المخاوف الأوروبية أيضاً تمتدّ إلى الشرق اللبناني، مع التوترات الحدودية المتواترة مؤخراً. إذ إن تطمينات رئيس السلطة الجديدة في سوريا أحمد الشرع حيال الأوضاع على الحدود اللبنانية ـ السورية لا تقنع الأجهزة العسكرية والأمنية الغربية، لناحية تمدّد تنظيم «داعش» أو الفوضى التي تعاني منها قوات الشرع واحتمالات الصدام مع حزب الله، ما يدفع هذه الدول إلى التركيز على زيادة الدعم للجيش اللبناني لتقوية مواقعه شرقاً وتحذير الشرع من أن أي فوضى على الحدود تفجّر الأوضاع في الداخل السوري، وهو التحذير الذي سمعه الشرع من الأتراك أكثر من مرة.

غير أن الغزو الحالي لمنطقة جنوب الليطاني، والاستهداف الإسرائيلي المتعمّد لقوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، عطّل عمليّاً، حتى الآن، الخطط الأوروبية لإيجاد أي بديل عن قوات اليونيفيل بهدف تمديد الكتائب الأوروبية المتنوّعة قواتها على الأراضي اللبنانية، بعد انتهاء مهمة القوات الدولية نهاية العام الحالي.

وبحسب المعلومات، كانت الدول الأوروبية، مثل فرنسا وإيطاليا وأسبانيا التي تملك كتائب برية ضمن اليونيفيل، وألمانيا التي تقود القوات البحرية في اليونيفيل، تعمل للخروح بصيغة «حل ما» بحلول حزيران المقبل، لتتمكن من تسويقها قبل آب في محاولة لتعديل قرار مجلس الأمن واستحداث قوة أممية تنتشر في لبنان تكون هذه الدول في عدادها. بالإضافة إلى صيغ بديلة أوروبية أو ثنائية بين هذه الدول في حال فشلت الصيغة الأممية.

إلّا أن الوقائع على الأرض لا سيّما التوغل الإسرائيلي في جنوب الليطاني، والرفض الأميركي ـ الإسرائيلي لأي دور أوروبي حد من طموحات قادة القارة العجوز، الذين يشعرون بالتهديد كما يشعرون بالفرص من جراء الصراع الدائر.

فبينما تصعّد مدريد من مواقفها وخطواتها تجاه الحرب على إيران ولبنان، وتعلن لندن وبرلين النأي بالنفس، تبدو باريس أكثر المتحمّسين لإصلاح ذات البين مع ترامب من بوابة الحرب على إيران والتصعيد الكلامي ضد حزب الله، من دون الانخراط في المعركة كما يشتهي الرئيس الأميركي. وسيعتمد صمود الأوروبيين أمام ضغوط ترامب في المرحلة المقبلة على طول مدّة الحرب.

وبالتوازي، لا يهمل الأوروبيون وجود الفرص، في لبنان وفي شرق المتوسط بشكل عام، لتأدية أدوار ومحاولة تثبيت الحضور. ففرنسا سارعت إلى إرسال حاملة طائراتها للانتشار قرب السواحل القبرصية، وإسبانيا لم تتجاوز التزامها الدفاع عن الجزيرة العضو في الاتحاد الأوروبي فأرسلت سفنها هي الأخرى، وسط مخاوف من محاولة تركيا استغلال الأوضاع لنقل قواتها إلى الجزء الذي تحتله من الجزيرة.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى