هنا “mtv”.. هنا تل أبيب!

من تحريضها على قصف الضاحية والكرنتينا ونقل كلمة رئيس وزراء العدوّ مباشرةً، مروراً بالتهليل للوزير الذي طرد السفير الإيراني وتهديد الدولة، وصولاً إلى ادّعاء نيّة المقاومة قصف كنيسة، تنصّب mtv نفسها كأداة تخدم الخارج ولا سيّما العدوّ. ولتكتمل القصيدة، تروّج للتطبيع مع الكيان زاعمةً ألّا أطماع له باحتلال لبنان!
قد يبدو غريباً تصدّر قناة mtv عناوين المقالات المخصّصة لرصد الإعلام باستمرار. لكنّ الغريب حقيقةً أنّ mtv لا تكلّ، بل إنّها تتفوّق على نفسها يوميّاً. ويبقى تفكيك سرديّتها مهما كان تأثيره محدوداً، أفضل من تركها تسمّم عقول اللبنانيّين من دون أيّ رادع.
كان الأسبوع حافلاً بالنسبة إلى القناة التي لم تعد تخفي مشاعرها الودّية تجاه كيان الاحتلال. بعد تصوير طائفة بأكملها على أنّها «خرّبت» الضاحية ولومها على النزوح، ثمّ نقلها كلمة رئيس وزراء العدوّ مباشرةً وإعطائها ذريعة للعدوّ لقصف الكرنتينا، ها هي تختبر من جديد الحدّ الذي يمكنها وصوله. كلّ يوم أخبار مغرضة وكلّ مساء مقدّمة جديدة لنشرة الأخبار تبرز وقاحة هذه القناة ومخالفتها قانون المطبوعات من جهة والقوانين الأخرى التي تحظّر التحريض الفتنوي والتعامل مع العدوّ من جهة أخرى.
طرد السفير الإيراني: تحريض ثمّ تسويغ ثمّ تهديد
مساء الإثنين الماضي، وقبل يوم من قرار وزير الخارجية اللبناني يوسف رجّي القاضي بطرد السفير الإيراني المعيّن، كانت mtv تدعو في مقدّمتها إلى طرد السفير وقطع العلاقات مع إيران، قبل أن تتذمّر بأنّ «وزارة الصحّة اعتبرت عنصر الحرس الثوري الإيراني الذي اغتالته إسرائيل في شقّة الحازمية شهيداً.
فهل وزارة الصحة على أيّام ركان ناصر الدين لا تزال وزارة الصحّة اللبنانية أم وزارة صحّة للحرس الثوري الإيراني- فرع لبنان؟». هذه اللغة الاستعلائية تجاه السلطة التي يُفترض أنّها تنتمي إلى الخطّ ذاته، ليست مفاجئة. إذ تعتبر mtv نفسها الناطق باسم الوصاية الغربية، تبتزّ السلطات بلغتها. وكلّما قامت السلطات بإجراء من المفترض أن يعجب خاطر القناة، تذهب mtv إلى التصعيد وإعلاء السقف على طريقة العدوّ تماماً.
بعد طرد السفير، راحت القناة مساء الثلاثاء تهلّل لوزير الخارجية وحزبه وتبثّ تقارير تُؤكّد «قانونية» القرار المزعومة، علماً أنّها القناة الوحيدة التي أخذت طرف السلطة حيال الموضوع. لكن من جهة أخرى، كانت تعتمد لغة الوصيّ الآنفة، فأوردت في مقدّمتها: «أيّتها الدولة، احزمي أمرك ونفّذي قرارك، وإلّا فقدتِ ما تبقّى لك من رصيد في العالم. وحذار حذار أن تكرّري خطيئة صخرة الروشة، لأنّ تكرارها يعني أنّك تنتحرين مرّتين، ويعني أنّك تنحرين شعبك مرتين!».
هكذا، تستقوي mtv بـ«العالم» الذي بات ممتعضاً من السياسات الأميركية والصهيونية، لكنّ «العالم» بالنسبة إلى القناة ليس سوى الأراضي المحتلّة من لوس أنجليس إلى نيويورك، ومن الناقورة إلى العقبة.
وكانت قبل ذلك قد ادّعت في المقدّمة نفسها أنّ القرار «كلمة حازمة جازمة لم يسبق للبنان أن وجّهها إلى ممثّل دولة أخرى من قبل. ولكن في المقابل، لم يسبق لدولة أخرى أن انتهكت سيادتنا وصادرت قرارنا كما فعلت إيران. فهي تتصرّف في البلد كأنّها صاحبة الأمر والنهي فيه.
يكفي أنّها تتحكّم في قرار «حزب الله»، الذي يتحكّم بدوره في قرار الحرب والسلم على مستوى لبنان. هكذا فإنّ السفارة الإيرانية تحوّلت من مقرّ ديبلوماسي إلى غرفة عمليّات عسكرية، تضمّ ضبّاطاً من الحرس الثوري الإيراني يتولّون قيادة المعارك في لبنان، رغماً عن الدولة اللبنانية، ورغم قرار الحكومة بعدم شن حرب.
والأهمّ أنّ السفير المطرود خالف أصول التعامل الديبلوماسي كسفير معيّن في لبنان، اذ اعتبر أنّه مؤهّل لتقييم عمل الحكومة، كما تدخّل بشكل فاضح في السياسة الداخلية للبنان». يعجز المرء عن التعليق، فيصل إلى الضحك والاستهزاء، والسؤال: ماذا كانت فعلت mtv لو أنّ لإيران سفارة مثل عوكر أو قاعدة مثل حامات، أو أنّ سفيرها كان على مائدة غداء كلّ نائب ووزير ورئيس حزب ومتملّق وطامح؟ الجواب سهل، وهو أنّها كانت لتكون المدافع الأوّل عن سياساتها!
أكاذيب تدّعي استهداف المقاومة بلدها
في اليوم ذاته، أي الثلاثاء، أتى اعتراض صاروخ إيراني فوق كسروان مناسبةً للتحريض، فراحت القناة تتكهّن تارةً بأنّ مسؤولين في المقاومة موجودون في المناطق المتضرّرة، وطوراً بأنّ إيران كانت تستهدف السفارة الأميركية في عوكر، قبل أن يتبيّن لاحقاً بأنّ الهدف كان قاعدة «أكروتيري» في قبرص.
وكذلك في اليوم الحافل إيّاه، نشرت صفحة القناة الإنكليزية صورة زعمت أنّها لـ«جندي إسرائيلي في الجنوب وهو يحمل سلحفاة»! بالكاد نال المنشور أيّ إعجابات التي أتت من مستوطنين صهاينة، مقابل مئات التعليقات الشاجبة والساخرة، فيما نالت التعليقات نفسها مئات الإعجابات، في انعكاس واضح لمدى انفصام القائمين على القناة وعيشهم في عالمهم الوهمي الصهيوني الموازي.
أمّا مساء الأربعاء، فتوّجت mtv تعتيمها على عمليّات المقاومة التي تنتهي بالعشرات كلّ يوم وتؤلم العدوّ، بالكذب العلني وتصوير المقاومة على أنّها خاسرة رغم استمرار المعارك. هكذا، أوردت مدّعيةً أنّ «معظم القرى والبلدات الحدودية سقطت مبدئيّاً في يد الجيش الإسرائيلي الذي يفجّر البيوت ويجرف ما تبقّى من بناء. إنّها ضريبة قاسية، مؤلمة، يدفعها الجنوبيون، ولو رغماً عنهم، فداءً لإيران. فـ«حزب الله» جرّهم إلى حرب عبثية لمساندة حكّام طهران، لكنّه طبعاً لم يستطع مساندة أولياء نعمته، بل صار هو بحاجة إلى من يسانده ويسنده».
للمفارقة، كانت المقاومة قد أعلنت في اليوم ذاته عن تدمير أكثر من عشر دبّابات ميركافا وعدد من جرّافات D9 تابعة للعدوّ، فيما بياناتها اليومية بالعشرات. كما تحاول القناة عبثاً تحريض جمهور الحزب عليه. وسألت: «هل إيران الممانعة التي أطلقت شعار وحدة الساحات مستعدّة أن تسانده في الساحة اللبنانية؟»، علماً أنّ المسؤولين الإيرانيّين أكّدوا أكثر من مرّة أنّ التفاوض بينهم وبين الأميركيّين سيشمل لبنان ضمناً.
اختُصرت معاناة
الجنوب وإهماله بإقامة كازينو!
لم يقف التحريض هنا، بل لم يكن قد بدأ بعد. فيوم الأربعاء، نشرت القناة مقالاً حمل عنوان «حزب الله يمهّد لاستهداف كنيسة»! وأتى ضمن المقال: «وزّع حزب الله خبراً نُشر في أكثر من وسيلة إعلاميّة تابعة له، من بينها جريدة «الأخبار»، مفاده أنّ جنوداً من الجيش الإسرائيلي يتحصّنون داخل كنيسة بلدة دبل خشية استهدافهم. إلّا أنّ مصدراً في البلدة نفى لـmtv صحّة هذا الخبر، مؤكّداً عدم وجود جنود إسرائيليّين داخل البلدة، بل على أطرافها، ولم يتحصّن أيّ منهم داخل كنيستها. وأشار المصدر إلى أنّ هذا الخبر يشكّل تمهيداً لقصف الكنيسة من قبل «حزب الله»، بعدما أطلق صاروخاً باتّجاه البلدة قبل ظهر اليوم ما أدّى إلى إصابة أحد أبنائها، مما أثار رعباً بين الأهالي».
كالعادة، موبقات لا تحصى ضمن سطور بضعة. أوّلاً، التناقض في الخبر نفسه. إذ تنقل القناة بأنّ الجنود «يتحصّنون خشية استهدافهم» من جهة، فيما تدّعي نيّة استهدافهم من جهة أخرى! ثانياً، يبدو أنّ وجود المقاومين يزعج القناة أكثر من وجود المحتلّين.
ثالثاً، كيف لأحد أن يؤكّد عدم دخول الجنود، فيما هم يتوغّلون ويحاولون البقاء مخفيّين؟ رابعاً، تحرّض القناة على المقاومة علناً، ولا تكتفي بنفي دورها الدفاعي، بل تكذب من أجل التحريض الطائفي، وتضيف فوق ادّعاء نيّة قصف الكنيسة زاعمةً أنّ صاروخاً أُطلق نحو الداخل! خامساً والأهمّ، ينطبق على القناة المثال الذي يُستخدم عادةً على الكيان الصهيوني، وهو أنّ «كلّ اتّهام هو اعتراف».
بمعنى أوضح، تعترف mtv أنّها عندما تقول إنّ مكاناً معيّناً فيه عناصر لـ«حزب الله»، إنّما تحرّض على قصفه، وكلّ أكاذيبها عن عدم انتظار العدوّ الحجّة ذهبت مهبّ الريح بعد مقالها. وهي تظنّ أنّ الآخرين يفكّرون مثلها بهذه الطريقة الإجرامية، فلجأت إلى اتّهام المقاومة بفعل من قاموسها، تماماً كما تفعل الولايات المتّحدة عندما تتّهم بلداً آخر بالقيام بأمر لا أحد يفعله غيرها.
الترويج للتطبيع وتصوير «إسرائيل» على أنّها ضحيّة
لم يكن ينقص قالب كلّ التحريض الآنف ذكره، سوى كرزة التطبيع. مع وضع صورة للعلم اللبناني إلى جانب علم كيان الاحتلال، بثّت القناة مساء الإثنين تقريراً لماريو الدويري حمل عنوان «ما لا نعرفه عن تاريخ العلاقة بين لبنان وإسرائيل!». كالعادة، المكتوب يُقرأ من عنوانه، فالهدف الادّعاء بأنّ كيان الاحتلال ليس عدوّاً، تمهيداً لاتّفاق استسلام معه.
يبدأ التقرير باعتبار أنّ «لبنان خاض حرباً نظامية واحدة فقط ضدّ إسرائيل»، مستضيفاً الباحث عماد مراد الذي ادّعى أنّه كان هناك ضغط عربيّ على لبنان للمشاركة وأنّه منذ 1948 «كانت المنظّمات غير الشرعية هي التي تواجه إسرائيل وهي التي تستدرج الإسرائيلي ليفوت على لبنان».
بهذه البساطة، يختصر أستاذ في التاريخ كما يرد، تاريخاً من الاحتلال الصهيوني للدول العربية وقصف دول المنطقة شتّى من تونس إلى قطر والتجسّس عليها، وفوق ذلك يجهل تاريخ الحركة الصهيونية وأطماع الصهيونية في لبنان التي تحدّث عنها بن غوريون كما نتنياهو مثلما تحدّثا عن «إسرائيل الكبرى»، كما يجهل دور العصابات الصهيونية في المجازر التي ارتُكبت ليس فقط بحقّ اللبنانيّين (بدءاً بمجزرتَي حولا وصلحا) والفلسطينيّين، بل بحقّ البريطانيّين أيّام الانتداب كذلك!
يحاول التقرير إلصاق كلّ الأطماع الصهيونية بالحركات الفلسطينية ومن ثمّ المقاومة الإسلامية، مدّعياً أنّ «منظّمة التحرير» أطاحت بهدنة 1949 بين لبنان و«إسرائيل». وبالطبع، من أجل تسويغ هذه السردية، هناك تعتيم تامّ على جرائم ومجازر وسرقة موارد طوال عقدَين من الزمن، أي بين 1949 و1967، بالإضافة إلى الاعتداء على طائرة ركّاب مدنية لبنانية وهي في السماء عام 1950، وتدمير محطّات المياه، وإيقاف البرنامج الفضائي اللبناني، واللائحة تطول. وأكمل مراد مبرّراً للكيان اجتياحاته للبنان بوجود المنظّمات الفلسطينية فيه، كأنّ الأمر عادي جدّاً فيما في الواقع لا يترك تشريعاً دوليّاً إلّا ويخالفه!
ادّعاء بأنّ الكيان ليس لديه أطماع باحتلال لبنان
ويضيف معدّ التقرير أنّه مع إنشاء «حزب الله»، «صارت الأراضي اللبنانية من جديد معبراً لحرب لم يخترها لبنان، وتجلّت بحروب 1993 و1996 و2006 و2023».
هكذا، أصبح تحرير الجنوب من براثن «إسرائيل الكبرى» مجرّد «حرب لم يخترها لبنان»، وكأنّ اللبنانيّين والفلسطينيّين هم الذين اختاروا أن يكون هناك احتلال صهيوني لبلدَيهم. لا تقف السفسطة هنا. يضيف التقرير أنّ «اليوم إسرائيل دخلت الأراضي اللبنانية مرّة جديدة»، من دون تحديد مَن الذي أخرجها أساساً. ويكمل أنّ الأطماع التوسّعية «التي يتحدّث عنها المحور حدّدتها إسرائيل عام 1982» في محاولة لادّعاء أنّها لم تعد موجودة، في وقت يجاهر بها مسؤولو الكيان في الحاضر يوميّاً!
ويطلّ ألفرد ماضي، ويُعرَّف عنه كرئيس حركة «الخيار الآخر» التي لم يسمع بها أحد، ليعلن أنّ الكيان ليس لديه أطماع باحتلال لبنان وكان مستعدّاً لمساعدة لبنان في ترشيد المياه وشراء ما يفيض. ويدّعي ماضي أنّ الكيان أراد السلام وتحويل جبل الشيخ إلى معلم سياحي وإقامة كازينو! هكذا، تُعلك سردية حتّى الكيان الصهيوني نفسه لم يعد يستخدمها، وتُختصر معاناة الجنوب وإهماله بإقامة كازينو، ولو كان على أشلاء الجنوبيّين، ويتحوّل الجلّاد إلى ضحيّة والضحيّة إلى جلّاد.
ينهي الدويري تقريره بادّعاء أنّ «حزب الله قدّم جزءاً من جنوب لبنان على طبق من فضّة لإسرائيل تحت عنوان مواجهة الاحتلال». لكنّه لا يقول لنا ما الذي يحمّسه أكثر على هذا «السلام». هل هو إبادة الأطفال والنساء، أم اغتصابهم، أم البصق على الراهبات، أم تكريم المغتصبين على التلفزيون، أم نموذج «رام الله»؟ ما الذي يدفع المرء إلى رؤية عدوّ لبلده أوّلاً وللإنسانية ثانياً، بات منبوذاً دوليّاً، على أنّه أهل لسلام مزعوم؟ بربّكم!
نزار نمر ــ الأخبار





