الأحداث تقلب المشهد… من يحمي الموظف؟

رماح هاشم
لم تأتِ التطوّرات والأحداث الأمنية الأخيرة كعامل طارئ يمكن احتواؤه ضمن واقع مستقر، بل شكّلت ضربة إضافية لاقتصاد لبناني منهك أساسًا، فقلبت كل المعادلات وبدّلت الأولويات، لتعود الدولة إلى موقع العجز والتأجيل بدل المبادرة والتنفيذ. غير أن ما تغيّر على مستوى السلطة، لم يخفف من وطأة الأزمة على المواطنين، بل زادها تعقيدًا، خصوصًا بالنسبة إلى العاملين في القطاع العام والمتقاعدين.
في وقتٍ كانت فيه الأنظار تتجه إلى بدء تنفيذ قرار مضاعفة الرواتب، لا سيما الأضعاف الستة، كخطوة جزئية لتصحيح الخلل الذي أصاب الأجور منذ عام 2019، جاءت الأحداث الأخيرة لتضع هذا القرار مجددًا في دائرة التأجيل. وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: ما ذنب الموظف؟ ولماذا يُطلب منه وحده تحمّل كلفة كل اهتزاز سياسي أو أمني، فيما تبقى حقوقه معلّقة بين قرارٍ مُقرّ وإرادةٍ غائبة؟
المفارقة تكمن في أن الدولة، التي تتذرّع اليوم بالظروف الاستثنائية، لم تتردّد في فرض أعباء إضافية على المواطنين، ومنهم الموظفون أنفسهم، عبر الضرائب غير المباشرة، وفي مقدّمها الرسم على البنزين الذي بلغ 300 ألف ليرة. هذه الإيرادات لم تكن نظرية، بل تُجبى فعليًا من جيوب اللبنانيين، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق: كيف يمكن تحصيل هذا النوع من الضرائب بانتظام، فيما تُعلّق الحقوق بذريعة غياب الإمكانات؟
اقتصاديًا، لا يمكن إنكار صعوبة المرحلة ولا حجم الضغوط على المالية العامة، لكن إدارة الأزمات لا تعني تعليق الالتزامات الاجتماعية، بل إعادة ترتيبها بما يحفظ الحد الأدنى من التوازن. فالرواتب في القطاع العام لم تعد مجرّد كلفة على الخزينة، بل هي عنصر أساسي في دورة الاقتصاد، وأي تأخير في تصحيحها ينعكس مباشرة على الاستهلاك، وعلى مجمل الحركة الاقتصادية التي تعاني أصلًا من انكماش حاد.
إلى جانب ذلك، فإنّ شريحة واسعة من الموظفين والمتقاعدين وجدت نفسها في قلب تداعيات النزوح القسري، ما ضاعف الأعباء المعيشية بشكل غير مسبوق. من هنا، يصبح ربط تنفيذ الزيادات بالظروف الأمنية طرحًا مقبولًا، إذ يفترض أن تدفع هذه الظروف بالذات نحو تسريع الدعم لا تجميده، لأن تأخير المعالجة في أوقات الأزمات يفاقم الكلفة لاحقًا على الدولة والمجتمع معًا.
زيادة الضغوط
أحد ممثلي روابط القطاع العام المهندس إبراهيم نحال، أشار لـ “نداء الوطن”، إلى أن “التطوّرات والأحداث الأمنية الأخيرة زادت من حدّة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على اللبنانيين، ولا سيما على العاملين في القطاع العام والمتقاعدين، الذين يواجهون أصلًا تراجعًا حادًا في قدرتهم الشرائية منذ سنوات”.
كما لفت إلى أن “شريحة واسعة منهم طاولها النزوح القسري، ما ضاعف الأعباء المعيشية في ظل غياب أي إجراءات دعم فعّالة حتى الآن”.
وأوضح نحال، أن “القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في شأن مضاعفة الرواتب، ولا سيما الأضعاف الستة، لا تزال غير مطبّقة، ما يفاقم من معاناة هذه الفئة ويُبقيها رهينة الوعود”، معتبرًا أن ربط تنفيذ هذه القرارات بالظروف الراهنة لم يعد مبرّرًا، بل يستوجب العكس تمامًا، أي تسريع صرفها نظرًا لتفاقم الأوضاع”.
وشدّد على أن “المرحلة الحالية تتطلّب مقاربة مختلفة تقوم على تحمّل الدولة مسؤولياتها الاجتماعية، بالتوازي مع تعزيز التضامن الداخلي”، داعيًا إلى “التركيز على الأولويات المعيشية الملحّة، بما يساهم في الحدّ من تداعيات الأزمة وتخفيف حدّتها على المواطنين”.
تسريع صرف الأضعاف الستة
في هذا السياق، ذكّر تجمُّع روابط القطاع العام (عسكريّين ومدنيّين) في بيانٍ له أمس، أن “مجلس الوزراء أقر في جلسته التي عُقِدت في 16 شباط إعطاء العاملين في القطاع العام والمتقاعدين ستة أضعاف الرواتب والمعاشات بدءًا من 1/3/2026، في إطار تصحيحٍ موقت بعد الانهيار الذي حصل منذ سنة 2019 على أن يقوم مجلس الوزراء بإعداد المشاريع اللازمة قبل نهاية آذار 2026 لزيادة الرواتب والمعاشات لتصبح ثلاثين ضعفًا بدءًا من 1/1/2027أي ما يعادل 50 % من قيمتها التي كانت في 2019. بَيْد أن هذه القرارات لم توضع موضع التنفيذ فلم يقرّ مجلس النواب مشروع قانون المضاعفات، ولا مجلس الوزراء أقرّ أيّ خطّة للزيادة المقترحة”.
وإذ قدّر التجمّع “الظروف التي يمرُّ بها وطننا، ولا سيّما ظروف النزوح القسري لعدد كبير من اللبنانيين، فإنّ ما يقارب 30 % من هؤلاء النازحين هم من الموظفين والمتقاعدين، الأمر الذي يعني أن أيّ حجّة بربط تنفيذ مقررات مجلس الوزراء في موضوع الأضعاف الستة بالظروف الطارئة مردودة، وأن من واجب الحكومة الإسراع في ابتكار المسوّغات القانونيّة لصرفها في أسرع وقت ممكن، وهنا نثق بتدخل فخامة رئيس الجمهوريّة لهذه الغاية”.
في المحصّلة، تبدو الدولة اليوم أمام خيار واضح: إمّا الاستمرار في سياسة تبرير العجز وتأجيل الحقوق، وإمّا الانتقال إلى مقاربة أكثر واقعية وجرأة، تعترف بأن كلفة الإهمال باتت أعلى بكثير من كلفة المعالجة. فالأحداث قد تفسّر التعثر، لكنها لا تبرّر تحميل الفئات الأكثر هشاشة وحدها ثمن الأزمات.
نداء الوطن



