باكستان في قلب الوساطة: الحياد لم يعُد «خياراً سهلاً»

ريم هاني
سلّطت جملة من التسريبات الإعلامية المتتالية، خلال الأيام الماضية، الضوء على ما وُصف بـ«الدور الرئيس» الذي تؤدّيه باكستان، للتوسط بين الولايات المتحدة وإيران. وذكرت صحيفة «فايننشال تايمز»، نقلاً عن مصادر مطّلعة، أن قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، تحدّث مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في هذا الخصوص، الأحد. ودفع ذلك بالعديد من المراقبين إلى الربط بين موافقة ترامب على تمديد مهلة استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران و«تدميرها»، بالوساطة الباكستانية، والمقرونة بتحذيرات حلفاء الولايات المتحدة، وتحديداً دول الخليج، من مخاطر مثل تلك الخطط على أمن الطاقة في المنطقة بأكملها.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن الولايات المتحدة وإيران قد تجتمعان لـ«إجراء مفاوضات في إسلام آباد في وقت مبكر من هذا الأسبوع» لمناقشة إنهاء الحرب. على أنه لم يتمّ بعد، على الصعيد الرسمي، تأكيد صحّة مثل تلك المفاوضات، أو مكانها، أو هويات المشاركين فيها، وذلك على الرغم من الأنباء التي تفيد بأن مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، يستعدّ للسفر إلى العاصمة الباكستانية. وفيما تغيب المعطيات عن إمكانية حضور أيّ ممثّل عن الجانب الإيراني، أكّدت مصادر باكستانية لوسائل إعلام أن نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، هو المرشّح المحتمل لمنصب كبير المفاوضين عن الجانب الأميركي – في حال قُيّض للمحادثات أن تبدأ -، وليس ويتكوف أو صهر ترامب، جاريد كوشنر، الذي كان يقود المفاوضات النووية مع إيران قبل الحرب.
وفي وقت سابق، أفادت بعض التقارير بأن القيادة العسكرية والمدنية الباكستانية كانت «على اتصال مباشر» مع كبار المسؤولين الأميركيين، بمن فيهم ترامب، وأن إسلام آباد أبدت استعدادها لاستضافة محادثات، في حال «كان الطرفان مستعدَّيْن لاستكشاف القنوات الدبلوماسية». على أنه طبقاً للعديد من المراقبين، بمن فيهم ولي نصر، الباحث الإيراني – الأميركي في واشنطن، فإن أيّ مبادرة دبلوماسية باكستانية من غير المرجّح أن تتمّ بـ«معزل عن السعودية». وكتب الأخير في منشور على منصة «أكس»: «لن تبادر باكستان إلا إذا حصلت على دعم وحثّ سعوديَّيْن، والمرجّح إلى حدّ كبير أن تكون الرياض في الصورة»، وأن تكون قد أعطت موافقتها «الضمنية».
ويرجع ذلك إلى العلاقات الأمنية والسياسية الوثيقة التي تربط إسلام آباد بالرياض، والتي تُرجمت، في أيلول الماضي، بتوقيع اتفاقية دفاع مشتركة في زمن الحرب والسلم على حدّ سواء، تضمّنت بنداً «حاسماً»، ينصّ على أنّ أي «عمل عدواني ضدّ أحد الطرفين سيتمّ التعامل معه باعتباره عملاً عدوانياً ضدّ» كليهما. ويُضاف إلى ما تقدّم، ملايين الباكستانيين المقيمين في السعودية، والذين تُعدّ تحويلاتهم المالية المصدر الأكبر للعملة الصعبة في البلاد، وتفوق قيمتها، في بعض الأحيان، إجمالي صادرات البلاد.
وانطلاقاً من تلك الاعتبارات، تجد باكستان، التي تتمسّك بسياسة «الموازنة» بين إيران والسعودية والولايات المتحدة على حدّ سواء، نفسها أمام تحدٍّ «هائل» يتمثّل في تقديم الدعم لطهران من دون استعداء الرياض، أو حتى أبو ظبي – أكبر الداعمين الماليين لها -، أو إثارة غضب واشنطن التي تسعى إسلام آباد إلى تحسين العلاقات معها، لأسباب عدّة، من بينها محاولة إزالة بعض العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على برنامج باكستان الصاروخي، واعتماد الأخيرة على التكنولوجيا العسكرية الأميركية وغيرها. وبالفعل، اعتنى رئيس الوزراء الباكستاني بتعزيز العلاقات مع إدارة ترامب في الأشهر الماضية، وهو ما انسحب أيضاً على قائد الجيش الباكستاني، الذي وصفه الرئيس الأميركي بـ«الجنرال المُفضّل» لديه. كما انضمّت إسلام آباد، في وقت سابق، إلى«مجلس سلام» ترامب.
بدأت لهجة باكستان تشهد تغيّراً تجاه إيران عقب استهداف الأخيرة لمواقع في السعودية
وبالإضافة إلى الحرص على العلاقات مع الولايات المتحدة، تحاول باكستان، منذ بداية الحرب في 28 شباط، تقديم نفسها كطرف «محايد»، يحافظ على علاقات ودّية مع الدول العربية كما إيران. ولكنّ مراقبين يعتقدون أن الحفاظ على هذا التوازن ليس بالمهمة السهلة، معتبرين أنه في حال استمرت الحرب لفترة أطول، فقد تضطرّ باكستان إلى اختيار أحد الجانبين. والواقع أنه على الرغم من تعبير المسؤولين الباكستانيين في بداية الحرب، عن انحيازهم الصريح إلى إيران، وتنديدهم بالعدوان الإسرائيلي – الأميركي عليها، إلا أنه ومع احتدام الصراع، واستهداف الجمهورية الإسلامية لمواقع في دول الخليج، بما فيها السعودية، بدأ سلوك إسلام آباد الكلامي يسجّل تغيّراً؛ فعلى سبيل المثال، أكّد نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، بداية الشهر الجاري، أن باكستان ذكّرت إيران بـ«اتفاقية الدفاع المشتركة مع السعودية، وذلك في إطار جهودها لمنع أي هجمات إيرانية أخرى على الأراضي السعودية». وقال في مؤتمر صحافي عُقد في إسلام آباد: «أبلغتُ الجانب الإيراني باتفاقية الدفاع المشتركة بيننا. وقد شدّد الجانب الإيراني على ضرورة ضمان السعودية عدم استخدام أراضيها ضد إيران».
مع ذلك، تنقل شبكة «دويتشه فيله» الألمانية عن فاطمة أمان، المحلّلة السابقة في «معهد الشرق الأوسط» «والمجلس الأطلسي»، قولها إنه «يمكن لباكستان الحفاظ على علاقات مع الولايات المتحدة، وهي ترفض، في الوقت عينه، الانضمام إلى حملة عسكرية، نظراً إلى أن الدخول في حرب مع دولة مجاورة من شأنه أن يحمل تكاليف باهظة، تشمل الاضطراب الاقتصادي، واحتمال خلق حالة من عدم الاستقرار على طول الحدود الإيرانية – الباكستانية، وصولاً إلى تأجيج التوترات الطائفية داخل باكستان»، مشيرةً إلى أن «هذه العوامل تضع حدوداً واضحة لمدى قدرة إسلام آباد على التحالف عسكرياً مع واشنطن».
والجدير ذكره هنا أن باكستان تضمّ ثاني أكبر تجمّع للشيعة في العالم (نحو 20% من السكان)، ما يعني أن أيّ صراع مباشر مع إيران قد يشعل فتنة طائفية داخلية تمزّق النسيج الاجتماعي. كما أن البلاد تتشارك مع جارتها حدوداً طولها 900 كم، وهدفاً مشتركاً «وحيداً»، يتمثّل بتحييد خطر الجماعات الانفصالية البلوشية، والذي يجبر البلدَين على التنسيق حتى في أوج التوترات السياسية. ذلك أن نجاح أيّ حراك انفصالي في بلوشستان (باكستان) سيؤدّي فوراً إلى تفشّي «عدوى الانفصال» في مناطق أخرى، ما يعني اقتطاع مساحات شاسعة من إيران وباكستان على حدّ سواء. واليوم، ومع انشغال طهران بالتصدّي للعدوان الأميركي – الإسرائيلي، تعمل إسلام آباد على «ملء الفراغ» ومنع الجماعات الانفصالية من استغلال الوضع لتصعيد هجماتها.
وفي هذا السياق، تصرّ مليحة لودهي، خبيرة الشؤون الدولية والسفيرة الباكستانية السابقة لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، في حديث إلى الشبكة الألمانية، على أن موقف باكستان في الصراع أكثر انسجاماً مع إيران، ولا سيما أنها أدانت الهجوم الأميركي – الإسرائيلي، فيما قدّم الزعماء الباكستانيون تعازيهم في وفاة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي. كما تشير لودهي إلى أن «رئيس الوزراء هنّأ أيضاً المرشد الأعلى الجديد، فيما تحادَث وزيرا خارجية البلدين أثناء الحرب».
وطبقاً للمصدر نفسه، فإن المشاعر العامة في باكستان مؤيّدة بقوة لإيران. «ومع ذلك، ونظراً إلى علاقات باكستان الوثيقة مع مجلس التعاون الخليجي (دول مجلس التعاون الخليجي)، وخاصة السعودية، التي أبرمت معها اتفاقية دفاعية، فقد دانت إسلام آباد أيضاً الهجمات على المملكة». وعليه، تنقل الشبكة عن مشرف الزيدي، المتحدّث باسم رئيس الوزراء الباكستاني، قوله إن «باكستان ستكون حاضرة عندما تحتاج المملكة العربية السعودية إلى المساعدة».
الأخبار



