اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

الصمود في الضاحية: من النزوح المؤقت إلى وعي المواجهة

زينب الموسوي

لم تعد تجربة الحرب بالنسبة إلى كثيرين من أبناء الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع مجرّد خوفٍ من القصف أو انتظار لخرائط التهديد، بل تحوّلت إلى خبرة يومية أعادت تشكيل سلوكهم ونظرتهم إلى معنى البقاء.

فبعد ما راكموه من تجارب خلال الحرب الماضية، بات عدد كبير منهم يتعامل مع إنذارات العدو الإسرائيلي بوصفها جزءاً من معركة نفسية تستهدف كسر الإرادة بقدر ما تستهدف المكان، لا باعتبارها مؤشراً حاسماً إلى استحالة الحياة أو حتمية الرحيل. ومن هنا، يبرز خيار الصمود، ولو في حدّه الأدنى، باعتباره موقفاً جماعياً آخذاً في الاتساع داخل البيئة الحاضنة، يستند إلى الكرامة بقدر ما يستند إلى التكيّف مع شروط الحرب.

يقول علي سيف الدين، وهو من الصامدين في الضاحية الجنوبية، إنّه يخرج مع عائلته من المنزل إلى البحر عند كلّ تهديد، ثم يعودون بعد انتهاء القصف. بالنسبة إليه، علّمتهم الحرب الماضية كثيراً من الدروس، أبرزها أنّ خرائط الاستهداف تهدف قبل كلّ شيء إلى إخافتهم وإظهار العدو بصورة الجبّار القادر على شلّ الحياة بالكامل.

عدد كبير من سكان الضاحية الجنوبية باتوا يتعاملون مع التهديدات الإسرائيلية بوصفها أداة ترهيب نفسي، لا حكماً نهائياً باستحالة البقاء

ويضيف أنّ وسائل الإعلام كانت تُسارع، بعد كلّ موجة قصف، إلى تصوير الضاحية كأنّها أصبحت مساحة خالية من الحياة، لكنّ العودة إليها كانت تكشف دائماً أنّ إمكان العيش فيها لا يزال قائماً. لذلك، لم تعد الخرائط والمساحات الحمراء تُرعبهم كما في السابق، ولم يعد التهديد كافياً لاقتلاعهم. وحين تدمّر الأبنية، يمكن نصب خيمة، أما الذلّ على أبواب «تجّار الدم والأزمات» فليس خياراً.

ولا تقتصر هذه الحال على سيف الدين وحده، بل تنسحب على عدد كبير جداً من سكان الضاحية الجنوبية، مقارنة بما كان عليه الوضع خلال حرب الـ66 يوماً. فهؤلاء آثروا الصبر والتحمّل والبقاء، ولو تحت التهديد، مع اعتماد نمط نزوح مؤقّت إلى البحر أو إلى نقاط قريبة في الجبل عند اشتداد الخطر، ثم العودة متى خفّ القصف.

وهو خيار يرونه أكثر انسجاماً مع كرامتهم من حياة النزوح الطويل أو الارتهان لشروط الاستغلال. وربما كان هذا من بين الأسباب التي دفعت العدو الإسرائيلي إلى تعميم التهديد على الضاحية كلّها، عبر تلوين خريطتها بالكامل بالأحمر وإصدار أوامر بإخلائها دفعة واحدة. إلا أنّ هذا السلوك رسّخ، لدى البيئة الحاضنة، وعياً إضافياً بأنّ ما ينشره العدو لا يعني بالضرورة أنّه يستهدف «أهدافاً عسكرية» محدّدة، بل إنّ الجميع باتوا مستهدفين، الأمر الذي عزّز انخراطهم في معركة الدفاع عن وجودهم.


من جهة أخرى، يلفت هادي شعيتو، وهو نازح من الجنوب إلى بيروت، إلى أنّ تجربة الحرب السابقة ارتبطت في وجدان كثيرين بمرحلة شديدة القسوة، إذ وقعت في ظلّ استشهاد السيد حسن نصر الله، ما جعل كثيرين يظنون أنّ العودة باتت مستحيلة، أو أنّ المرحلة التي تلت ستبقى أسيرة هذا الغياب.

ويقول إنّ هذا الربط كان ظالماً للشيخ نعيم قاسم (الأمين العام الحالي لحزب الله)، لأنّ البيئة التي ينتمي إليها تنظر اليوم إلى الأمور بصورة مختلفة تماماً. فبحسب هادي، ازداد تمسّك الناس بقيادته، وتعزّز إيمانهم بحكمته وصلابته، ولا سيّما مع ما يعتبرونه إدارة متماسكة للحظة الانتظار ولتطوّرات المواجهة.

ويشير شعيتو إلى أنّ هذا التحوّل انعكس على مزاج الناس ومعنوياتهم، وقلّص جزءاً كبيراً من فجوة الفراغ التي تركها استشهاد السيد، بعدما أعاد التفافهم حول القيادة بصلابة أكبر. كما يربط هذا الارتفاع في المعنويات بعودة ما يسمّيه «وحدة الساحات»، واستثمار لحظة إقليمية يعتبرها مؤاتية، إذ يرى أنّ اتساع دائرة الانخراط في المواجهة، وتعدّد الجبهات، حالا دون الاستفراد بجبهة واحدة وخفّفا من الضغط على الداخل اللبناني. وفي نظره، فإنّ لحظات التنسيق و«العمليات المشتركة» وما تتركه من أثر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، شكّلت عاملاً إضافياً في رفع المعنويات داخل البيئة الحاضنة.

تَعتبر البيئة الحاضنة أن اتساع المواجهة إقليمياً واستعادة «وحدة الساحات» أسهما في رفع المعنويات وتعزيز الالتفاف حول القيادة

وتكاد هذه الخلاصة تتكرّر، بصيغ مختلفة، على ألسن كثيرين. تقول فاتن رضا، وهي نازحة من صور، إنّ الحرب قد تطول، لكنّ الأهم هو أن تنتهي بالنصر وبخروج العدو الإسرائيلي بشكل كامل من الأرض. وتؤكد أنّ هذه الروحية حاضرة في الشوارع، والمقاهي، وخيم النزوح، ومراكز الإيواء، وأماكن الصمود، كما في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

في نظر رضا، ثمّة مزاج عام يمكن اختصاره بعبارة واحدة: «المعنويات في السماء»، لأنّ مرحلة الصمت على الضيم انتهت، وبدأت لحظة جديدة يعتبرها الناس لحظة كسر للذلّ وإعلاناً واضحاً عن التمسك بالمواجهة.

وتربط رضا هذه اللحظة بما تعتبره امتداداً لما بشّر به السيد الشهيد حسن نصرالله في آخر خطاباته، حين تحدّث عن معركة طويلة وكبيرة مع هذا الكيان، لكنّ أفقها ونهايتها واضحان. لذلك، تنظر إلى ما يجري باعتباره استكمالاً لمسيرة لم تنتهِ باستشهاده، بل ازدادت رسوخاً بعده، وترى أنّ النصر، لكي يتحقّق، يحتاج إلى إيمان وصبر بقدر ما يحتاج إلى التضحيات. ومن هذا المعنى تحديداً، تستمدّ البيئة الحاضنة جزءاً كبيراً من قدرتها على الاحتمال، وعلى تحويل الصمود من مجرّد ردّ فعل على الحرب إلى قناعة جماعية بأنّ الطريق، مهما طال، يجب أن ينتهي بالنصر.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى