باريس «ساعي بريد» متعثّر.. زيارة وزير خارجيتها استكمال لـ «البروباغندا الإيمانويلية»

زياد سامي عيتاني
تأتي زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى بيروت حاملةً معها الأنماط المعتادة للدبلوماسية الإليزيهية: حقائب ممتلئة بالوعود، جدول أعمال مزدحم باللقاءات البروتوكولية، وبيانات صحفية تفيض بعبارات «القلق» و«الدعم» والمناشدة. لكن خلف هذا المشهد المنمق، تبدو الحقيقة أكثر قتامة؛ فباريس التي تسوق لزيارة بارو كجزء من تنسيق دولي رفيع المستوى مع واشنطن، تبدو اليوم أقرب إلى دور «الكومبارس» الذي يحاول يائساً إثبات حضوره في مسرحية إقليمية كبرى يكتب خيوطها الآخرون بدم بارد.
• «البروباغندا» الإيمانويلية: من الإنقاذ إلى العجز الممنهج
لا يمكن قراءة حراك بارو اليوم بمعزل عن «المسرحية السياسية» التي بدأها إيمانويل ماكرون فوق ركام مرفأ بيروت في أغسطس 2020. يومها، تقمص ماكرون دور المنقذ التاريخي، وتجول في الجميزة ومار مخايل كأنه «المندوب السامي» الجديد، مطلقاً وعوداً بـ «عقد سياسي جديد» ومهل زمنية صارمة للإصلاح تحت طائلة العقوبات.
اليوم، وبعد ست سنوات من تلك اللحظة السينمائية، نكتشف أن تلك الوعود لم تكن سوى «فقاعات دبلوماسية» تلاشت مع أول اختبار حقيقي. لبنان لم يغرق فقط في أزمته، بل غرق في بحر من المبادرات الفرنسية التي لم تترجم يوماً إلى ضغط حقيقي على معطلي الإصلاح. فرنسا التي ادّعت أنها «الأم الحنون» والضامن الدولي، تحولت إلى مجرد «شاهد زور» يراقب الانهيار من شرفات قصر الصنوبر، مكتفيةً ببيانات الإدانة الرمادية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما تستمر المنظومة في التلاعب بمصير البلاد والعباد.
• نمط «التسكين» الدبلوماسي: زيارة لكل خيبة
ما يمارسه الإليزيه تجاه لبنان اليوم ليس سياسة خارجية استراتيجية، بل هو «نمط تسكين» متكرر يهدف للحفاظ على نفوذ فرنسي متلاشٍ في المتوسط. فكلما اشتدت الأزمة العسكرية أو السياسية، يرسل ماكرون موفداً أو وزيراً لامتصاص الغضب وإعطاء انطباع زائف بأن «المجتمع الدولي لم ينسَ لبنان». زار لودريان بيروت مراراً بصفة «موفد رئاسي»، وجاء وزراء الخارجية الواحد تلو الآخر، وها هو بارو يكرر السيناريو نفسه في 2026.
المشكلة الجوهرية هي أن الحراك الفرنسي بات «ظاهرة صوتية» تفتقر لأوراق الضغط الفعلية. باريس لا تملك تأثيراً حقيقياً على تل أبيب لوقف آلتها الحربية، ولا تمتلك قنوات ردع أو إقناع مع طهران، وعلاقتها بواشنطن في الملف اللبناني تبدو كتابعٍ يبحث عن فتات التوافق في الأروقة الخلفية، لا كشريك يفرض رؤيته السيادية. إن التنسيق المسبق مع ماركو روبيو الذي يتبجح به الفرنسيون، ليس سوى محاولة للاستقواء بالقرار الأميركي لتغطية العجز الفرنسي عن إحداث أي خرق منفرد.
• الفضيحة الكبرى: باريس كـ «ساعي بريد» متعثّر
تتجلّى قمة العجز الفرنسي فيما كشفته المصادر الدبلوماسية حول المبادرة المطروحة حالياً في عهد رئيس الجمهورية جوزاف عون. فبينما تحاول باريس الإيحاء بأنها تقود حراكاً لإنقاذ لبنان من فوهة المدفع، تبيّن أن ما يحمله بارو في حقيبته ليس «مبادرة فرنسية» أصيلة، بل هو مجرد «توكيل تسويقي» طلبه الرئيس عون من الفرنسيين لعرض رؤيته اللبنانية للأزمة على القوى الكبرى.
الفضيحة تكمن في أن باريس لم تستطع حتى القيام بدور «المسوق» بنجاح؛ حيث قوبلت هذه الأفكار اللبنانية المرفوعة فرنسياً برفض أميركي وإسرائيلي قاطع لأي دور قيادي لباريس في إدارة المعركة السياسية أو التفاوض باسم بيروت. فرنسا اليوم ليست وسيطاً نزيهاً ولا طرفاً مقرراً، بل هي كيان دبلوماسي يحاول حجز مقعد على طاولة المفاوضات بأي ثمن، حتى لو كان ذلك عبر بيع أوهام استقرار زائفة للداخل اللبناني. الرهان اللبناني على باريس في إدارة المعركة السياسية هو خطأ استراتيجي، لأن الطرفين الفاعلين الحقيقيين يرفضان اليد الفرنسية رفضاً مطلقاً.
• ملف الجيش واليونيفيل: قنابل دخانية
يتمحور خطاب بارو اليوم حول دعم الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. وهو ملف يُستخدم كـ «قنبلة دخانية» لتغطية الفشل في الملفات السياسية الكبرى. كيف يمكن الوثوق بالوعود الفرنسية بدعم المؤسسة العسكرية، بينما «مؤتمر دعم الجيش» الذي تقوده اللجنة الخماسية (بمبادرة فرنسية – سعودية – أميركية) يتأجل من شهر إلى آخر منذ مطلع مارس؟ هذا التأجيل ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو مؤشر صارخ على انعدام الثقة الدولية في القدرة الفرنسية على التنظيم والتنفيذ. إن حضور بارو اليوم لإحياء ملف «علق في منتصف الطريق» هو اعتراف مبطن بأن باريس فقدت قدرتها على حشد حلفائها خلف رؤيتها، وأن ثقلها المالي والسياسي بات محل تساؤل في المحافل التي تحترم النتائج لا التصريحات.
يبقى السؤال المحوري الذي تتفادى الخارجية الفرنسية الإجابة عنه بوضوح: ما هي أوراق الضغط الحقيقية التي تمتلكها باريس اليوم؟ حين تغيب القدرة على فرض عقوبات حقيقية، وحين تغيب القدرة على لجم التصعيد الميداني، تتحوّل الدبلوماسية إلى «خطابة إنشائية». وحين يصبح الخطاب متكرراً ومملاً دون أي إنجاز ملموس على الأرض، يفقد الناس الثقة في «الأم الحنون» قبل أن تهبط طائرة وزيرها في مطار بيروت.
إن الاستمرار في المراهنة على الدور الفرنسي هو ضرب من العبث الذي لا يملكه لبنان في هذا التوقيت الحرج. ست سنوات من «السينما» الدبلوماسية، من زيارة ماكرون العاطفية في 2020 إلى زيارة بارو الجافة في 2026، أثبتت أن باريس مهتمة بصورتها كـ «قوة عظمى سابقة» تحاول الحفاظ على إرث استعماري قديم، أكثر من اهتمامها بتقديم حلول سيادية حقيقية لبلد يحترق.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى وزراء خارجية يلتقطون الصور التذكارية في قصر بعبدا أو السراي، ثم يغادرون ليرفعوا تقارير العجز إلى رؤسائهم في الإليزيه. لبنان يحتاج إلى كسر هذا القيد الدبلوماسي الفرنسي الذي لم يجلب سوى المماطلة، والبحث عن شراكات دولية تملك «أنياباً» تنفيذية، لا مجرد ربطات عنق أنيقة تجيد النحيب الدبلوماسي بينما تضيع البلاد في مهب الريح.
اللواء


