اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

«تقسيم العمل» بين أميركا وإسرائيل: «وحدة الساحات» تربك العدوان

منذ بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، بدا واضحاً تقسيم الجهد الجوي للمعتدين على الجغرافيا الإيرانية. إذ تمّ تقسيم أجواء الجمهورية الإسلامية بين سلاحَي الجو الأميركي والإسرائيلي؛ فالمنطقة الغربية تعمل فيها الطائرات الإسرائيلية، فيما تتشارك مع الأميركية المنطقة الوسطى، والغربية تكون من حصة الأميركيين. كذلك، تمّ تقسيم بعض الأهداف – بحسب نوعيتها – بين العدوّين؛ فتركّزت الهجمات الإسرائيلية في بداية الحرب على منظومة صواريخ إيران الباليستية ومرافق «الحرس الثوري»، في حين تولّت الطائرات الأميركية الحملة على منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وعلى قطع البحرية، والمواقع الصاروخية المحصّنة. ومع تقدّم أيام الحرب، تقدّمت الاستهدافات الإسرائيلية على الأميركية، وتركّزت بشكل خاص على المواقع والمراكز الأمنية الإيرانية الداخلية، وذلك في محاولة لإضعاف منظومة الأمن الداخلي، وفتح المجال لتحركات أمنية داخلية، بالتعاون مع مجموعات مسلّحة إيرانية معارضة، وهو ما لم ينجح حتى اليوم.
وبحسب التقارير العبرية، فإن نشاط سلاح الجو الإسرائيلي خلال 18 يوماً في إيران فقط، يعادل نشاط سنة كاملة من المهام العملياتية في الظروف العادية، حيث تمّ تنفيذ أكثر من 8,500 غارة في عموم إيران، واستخدام أكثر من 12,000 قنبلة، في حين استُهدفت طهران وحدها بنحو 3,600 ذخيرة، مما يعكس تركيزاً على مراكز الحكم والقيادة في العاصمة الإيرانية. ومن جهتها، أعلنت الولايات المتحدة أن القوات الأميركية شنّت ضربات جوية وصاروخية على أكثر من 1000 هدف داخل إيران، وذلك خلال الأيام الأولى فقط، بما يشمل استخدام قاذفات قنابل استراتيجية (B-2) لضرب مواقع تحت الأرض.

وعلى الصعيد الهجومي، يبدو واضحاً تأثّر العمليات الجوية الإسرائيلية في الجبهة الثانية، لبنان، والتي صنّفها جيش العدو «جبهة رئيسة» أخرى، بعدما كان تصنيفها «جبهة ثانوية» في الأيام الأولى للحرب. إذ رغم الغارات العنيفة التي تشنّها الطائرات الإسرائيلية على عموم الأراضي اللبنانية منذ بدء القتال، تتحدّث التقارير العبرية عن حاجة إلى نقل جزء من تركيز القوة الجوية الإسرائيلية، من إيران إلى لبنان، لتحقيق أهداف المعركة مع «حزب الله». وبالمقارنة مع العدوان الإسرائيلي في أيلول 2024، فإن مستوى نشاط سلاح الجو الإسرائيلي في لبنان، يبقى أقلّ بكثير. إذ في اليومين الأولين للحرب السابقة فقط، تجاوزت الغارات الجوية الألف، وتركزت معظمها في الجنوب والبقاع، في ما وصفه جيش العدو بأكبر حملة جوية في تاريخه، حتى حينه. كذلك، على مستوى الطائرات المسيّرة المعادية، يبدو أيضاً، بوضوح، أن تشغيل هذا النوع من الطائرات، في الساحة اللبنانية، أقلّ من المعتاد، حتى خلال المدة التي امتدّت من وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، إلى الأول من آذار الجاري، موعد تجدّد الحرب. والعامل الأخير، يؤثّر بشكل فعّال – أكثر من المقاتلات الحربية – في مجريات المعركة بين العدو والمقاومة في لبنان، وتحديداً على صعيد جمع المعلومات الاستخبارية وإحكام «الإغلاق» حول الأهداف، وسرعة الاستهداف أيضاً. ويَظهر التأثير المشار إليه جلياً في غياب الاغتيالات الكبرى المؤثرة لقادة المقاومة في لبنان، والتي ميّزت الحرب السابقة؛ علماً أن العامل المذكور ليس هو السبب الوحيد في انخفاض معدّل عمليات الاغتيال الناجحة، لكنه عامل أساسيّ وحاسم في حالات كثيرة.

أسقطت الدفاعات الجوية الإيرانية عدداً كبيراً من المسيّرات الإسرائيلية المتطوّرة


يضاف إلى ما تقدّم، انشغال سلاح الجو الإسرائيلي، بنوعَيه الحربي والمسيّر، بالقتال البرّي. إذ تحتاج القوات الإسرائيلية البرية، وهي تحاول التوغّل في القرى الحدودية في جنوب لبنان، إلى تغطية مكثّفة ومباشرة من سلاح الجو، في ما يمثّل جزءاً راسخاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. إذ لا تتقدّم القوات الإسرائيلية إلى أي نقطة، من دون استباق ذلك بغارات جوية مكثّفة، إضافة إلى تحليق مكثّف للمسيّرات التي تستطيع التعامل مع الأهداف الأرضية المستجدّة بشكل فوري.
ولا تقتصر عقدة سلاح الجو الإسرائيلي الحالية، على مسألة الانشغال، بل تتعدّاها إلى إسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية عدداً كبيراً من المسيّرات الإسرائيلية المتطوّرة (من مثل «هيرمس 900» و«أوربيتر» و«هيرون» وغيرها)، بلغ أكثر من 100 قطعة، إضافة إلى إسقاط المقاومة في لبنان 3 طائرات منها حتى اليوم. ويضغط ذلك بوضوح على سلاح المسيّرات الإسرائيلية، التي ليس معلوماً كم يبلغ عددها بالضبط، في حين أن ما تمّ إسقاطه منها يبدو مرتفعاً وغير مسبوق بالفعل، وهو ما سيترك تأثيره الحتمي على تشغيل هذا النوع من الطائرات.

أمّا على الصعيد الدفاعي، فتواجه إسرائيل هجمات صاروخية إيرانية شبه يومية، تتصدّى لها بمنظومة متعدّدة المستويات. وتتقدّم «السهم 3» المنظومة الإسرائيلية، حيث تتعامل مع الصواريخ الباليستية في طبقة مرتفعة جداً، تليها منظومة «باتريوت» ذات المدى المتوسط، ومن ثمّ منظومة «مقلاع داوود» التي صُمّمت لصدّ الصواريخ المتوسطة المدى. وأخيراً، تتصدّى «القبّة الحديدية» للصواريخ قصيرة المدى، وتحديداً تلك التي تنطلق من لبنان وغزة. وجاء في تقرير في صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» أن الأنظمة الدفاعية التي تملكها إسرائيل صمّمت لمواجهة نوعية الصواريخ القادمة من كلّ جبهة، وبالتالي فإن مشاركة «حزب الله» في القتال «لا تؤدي إلى تحويل الموارد عن ضرورة الدفاع ضدّ هجمات إيران الباليستية». ولذلك، من الناحية الدفاعية، يبدو تأثير انشغال المنظومات الدفاعية والاعتراضية الإسرائيلية بالتصدّي للصواريخ الإيرانية، على مجريات الحرب مع لبنان، أقلّ بكثير من التأثير على المستوى الهجومي.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى