الحملة على «أجهزة العدو» مستمرّة: إيران تحبط خطّة «ستارلينك»

ريم هاني
أعلنت إيران، أمس، اكتشاف ومصادرة المئات من أنظمة «ستارلينك» التي أرسلتها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى مناطق متفرّقة من البلاد، مؤكدة أن الإجراءات «مستمرّة إلى حين تحديد جميع محطّات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية التي يمتلكها العدو». وتخوض السلطات الإيرانية منذ مدّة حرباً موازية على هذه الجبهة، بعدما أعلن إيلون ماسك، خلال حرب الـ12 يوماً، أن «أشعة ستارلينك مضاءة فوق إيران». وفي حين تؤكد طهران أن «عملاء إسرائيليين استخدموا هذه الأشعة» لتنسيق عمليات الطائرات المسيّرة والغارات الجوية، انتشرت بالفعل صور، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لمسيّرة «لوكاس» الأميركية وهي تحمل طبق «ستارلينك»، في مؤشر على أن واشنطن وتل أبيب تستخدمان ما يُفترض أن يكون بنية تحتية مدنية، كسلاح لعمليات تغيير النظام في البلدان العدوّة لهما.
وفي إطار جهودها المستمرة للتصدّي للعمليات المشار إليها، أعلنت شرطة الأمن الاقتصادي في محافظة هرمزغان الإيرانية، السبت، ضبط 54 جهاز «ستارلينك» في المحافظة، فيما أكد «الحرس الثوري الإيراني» في محافظة قم أنه تمّ اعتقال 13 شخصاً بتهمة الإخلال بالأمن، وضبط 3 أجهزة مشابهة كانت في حوزتهم. وفي محافظة فارس، أكد نائب قائد الشرطة اعتقال شخص في شيراز كان يبيع الإنترنت عبر جهاز مماثل.
والجدير ذكره، هنا، أنه تمّ تصميم محطات «ستارلينك»، التي هي عبارة عن أطباق صغيرة للأقمار الصناعية، لتكون بديلاً يصعب التشويش عليه من شبكة الإنترنت العادية. ومع ذلك، تستخدم إيران، طبقاً لمراقبين، أجهزة تشويش الأقمار الصناعية والتلاعب بنظام تحديد المواقع لتعطيل خدمات المحطّات المشار إليها. ومن هنا، يصبح قطع الإنترنت، طبقاً لخبراء، بمثابة استراتيجية لاستكشاف تلك الأجهزة؛ إذ إنه عند قطع الشبكات الوطنية، يسود «صمت إلكتروني»، بدلاً من أن تمتلئ الأجواء بآلاف التردّدات والإشارات اللاسلكية المتداخلة، مما يجعل إشارة ستارلينك «تغرق» في هذا الضجيج الرقمي. ومع انقطاع الإنترنت، تصبح أيّ إشارة قوية تنطلق نحو الأقمار الصناعية في السماء، أشبه بـ«شعلة نار في ليل مظلم»، مما يتيح لأجهزة الرصد التابعة للحرس الثوري التقاط هذه التردّدات المنفردة وتحديد مصدرها بدقة وسهولة، فيما تقوم وحدات الحرب الإلكترونية بنشر مركبات مسح طيفي (Spectrum Analyzers) في الأحياء السكنية لالتقاط التردّدات نفسها. وفي ما يتعلق بتكتيك «تزييف الـGPS»، فإن الأخير يجبر الطبق على زيادة قوة إرساله أو تغيير زاوية ميله للبحث عن الإشارة، ممّا يجعله يعمل إلكترونياً لمدة أطول، ويمنح فرق الرصد وقتاً كافياً لتحديد موقعه الجغرافي.
تستخدم واشنطن وتل أبيب ما يُفترض أن يكون بنية تحتية مدنية كسلاح لعمليات تغيير النظام في الخارج
وأسفرت كلّ تلك الإجراءات عمّا وصفه مراقبون، في الثامن من كانون الثاني 2026، بـ«الأمر غير المسبوق في تاريخ الحرب الإلكترونية» وذلك على ضوء تفعيل إيران حملة قمع رقمية متعدّدة الطبقات، أدّت، في غضون ساعات، إلى تدهور خدمة الإنترنت عبر «ستارلينك». وبحسب منظمة «Filter.Watch»، وهي منظمة إيرانية لمراقبة حقوق الإنترنت، ارتفعت نسبة فقدان الحُزم في طهران من 30% إلى أكثر من 80%. وكانت هذه أول مرّة يتمّ التحقق فيها من نجاح دولة في تحييد «ستارلينك» على المستوى الوطني خلال أزمة سياسية داخلية، في ما يمثّل سابقة دولية كسرت «أسطورة إنترنت الأقمار الصناعية غير القابل للاختراق أو القطع».
على أنّ ما تقدّم لم يثنِ الإدارة الأميركية عن محاولة «خرق» البلاد عبر إرسال أنظمة إضافية. إذ أفاد مسؤولون أميركيون، الشهر الماضي، صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن إدارة ترامب أرسلت، سراً، آلاف محطات «ستارلينك» لـ«دعم المعارضة في إيران». وبحسب الصحيفة، فإن واشنطن هرّبت ما يقرب من 6 آلاف من مجموعات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية إلى البلاد. على أن عمليات التهريب تلك، تسبق، على ما يبدو، جهود الإدارة الحالية للإطاحة بالنظام؛ إذ تفيد تقارير بأن هذه العمليات تسارعت عقب سماح الرئيس السابق، جو بايدن، لشركات التكنولوجيا الأميركية بتجاوز العقوبات في أيلول 2022، تزامناً مع «احتجاجات مهسا أميني». وتكثّفت عمليات التسلّل نفسها في أعقاب الحرب التي استمرّت اثني عشر يوماً في حزيران 2025 بين إيران وإسرائيل. وبحلول كانون الأول 2025، تمّ وضع شبكة ظلّ للاتصالات عبر الأقمار الصناعية مسبقاً في جميع أنحاء البلاد، في انتظار تفعيلها.
على أن المفارقة أن بعض «المقرصنين» الإيرانيين استغلّوا أجهزة «ستارلينك» لشنّ هجمات ضدّ إسرائيل نفسها. إذ نشرت مجلة «فوربس» الأميركية، بداية الشهر الجاري، تقريراً جاء فيه أنه «خلال اليومين الماضيين، استخدمت مجموعة قراصنة إيرانية تدعى (حنظلة) منصة (إكس) لتهديد الغرب بهجمات إلكترونية رداً على الضربات الصاروخية الأميركية والإسرائيلية»، مشيرةً إلى أن المجموعة اعتمدت على التكنولوجيا الأميركية، وتحديداً شبكة «ستارلينك» التابعة لإيلون ماسك، للبقاء على الإنترنت.
ونقلت المجلة عن رئيس شركة الأمن السيبراني الإسرائيلية « Check Point»، جيل ميسينغ، قوله إن «حنظلة» هي «مجموعة القرصنة الأكثر شهرة التي يستخدمها النظام»، وإنه هو تَواصل مع شركة «ستارلينك» لإبلاغها بأن «المقرصنين يستخدمون تقنيتها»، من دون أن يتلقى ردّاً. ومن جهتها، قالت موظفة المخابرات الإسرائيلية السابقة، ساناز يشار، وهي الآن المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «زفران» السيبرانية، إن استمرار نشاط «حنظلة» يشير إلى أن الصواريخ ليست وسيلة فاعلة لوقف العمليات السيبرانية، مبيّنة أن هذه الوسيلة «يمكن أن توقف عمليات القراصنة مؤقتاً، لكنهم سيعودون، كما حدث مع قراصنة (حماس)».
الأخبار



