سياسة النزيف والحرب الطويلة و«الحدث الكبير» المرتقب

عبد الهادي محفوظ
تتسع دائرة التجاذب الأميركي – الايراني حول مضيق هرمز، الذي يستدرج الوضع إلى تصعيد في الحرب، أو إلى فتح بوابات التفاوض والسلام. والأرجح أن التعقيدات الإقتصادية والمالية والنفطية، التي نجمت عن تحكّم ايران بهذا المضيق، لم تكن ضمن التقديرات الأميركية والبيت الأبيض لمسار وتطورات الحرب، إذ أن الحسابات الأميركية كانت أن «المضيق لن يغلق»، وأن ايران تكون منشغلة بكيفية مواجهة الهيمنة الجوية والبحرية الأميركية، وأن انتشار الأساطيل الأميركية كفيل بضمان حرية العبور لناقلات النفط في مضيق هرمز.
حاليا، تعتبر ايران أن مضيق هرمز يمكن أن يكون ممرا للسلام والإزدهار، كما يمكن أن يكون ممرا للمعاناة للدول التي تشعل الحروب. وهذا يعني أن «مضيق هرمز» هو أحد «الأوراق القوية» التي تمتلكها ايران حاليا، وتوظفّها في الضغط على الولايات المتحدة ودول المنطقة، كما على الشركات النفطية وشركات التأمين، وعلى الدول الغربية المستوردة للنفط، وكذاك على سعر البرميل وتسريع انهيار البورصات العالمية والأسواق المالية.
من هنا، الشغل الشاغل الآن للرئيس ترامب، هو هذا المضيق وما يمكن أن يستتبعه في باقي بوابات البحار، ذلك أن «أعباء المضيق الأميركية» تنعكس في الداخل الأميركي في كلفة المعيشة، وفي ارتفاع الأسعار وفي التأثير السلبي على شعبية الرئيس دونالد ترامب وعلى الحزب الجمهوري. كما أنها تحاصر خيارات «المنتصر» لسيد البيت الأبيض. وتأسيسا على ذلك، يستدعي أساطيل العالم لفتح الممر، وهو يعلم أن ذلك لا يغيّر في المعادلات سوى فتح ثغرة للإستجابة لاحقا، لمطالبة «دول العالم» بإيجاد مخارج لهذه الحرب ذات الكلفة العالية على الجميع.
واقع الأمر، تستند القيادة الايرانية إلى الإطمئنان إلى «الداخل الايراني» المتماسك في فترة الحرب،عكس ما كانت عليه الرهانات الأميركية والاسرائيلية على تفكيكه. ولتبرير خطأ الرهان الأميركي، يقول المحيطون بالرئيس ترامب من دعاة الحرب، بأن الذين ينزلون إلى الشوارع مساندين ومبايعين للقيادة الايرانية، هم «جماعة النظام» الذين لا يتجاوز عددهم ١٠بالمئة، وهذا التبرير يغالط الواقع وينمّ عن عدم فهم الثقافة الايرانية، وإسقاط مفاهيم عقلية غربية في قراءة توقعات لواقع شعب مشرقي، تحكمه قيم ومفاهيم مختلفة، تدفع بالوحدة والتضامن في مواجهة أي غزو خارجي، حتى في حال اعتراضات على النظام السياسي. فسياسات التدمير التي لا تستثني المدنيين ومدارس الأطفال، لا تخدم الأهداف الأميركية والاسرائيلية، بل تعطي مفاعيل معاكسة، وهذه هي الحال في ايران.
حاليا، واشنطن ومعها «تل أبيب» تعتمد سياسة «النزيف» في ايران، النزيف العسكري والنزيف في البنية التحتية، وسياسة العزل عبر الأحلاف. أما ايران فتعتمد على فكرة الحرب الطويلة واستنزاف الأهداف الأميركية للحرب، والتركيز على حماية الحدود وممارسة الضغوط العسكرية على المعارضة الكردية الموجودة في اقليم كردستان، وعلى مفهوم الوحدة الاسلامية في العلاقة مع دولتين اقليميتين تركيا وباكستان، وكذلك تأمين النفط والغاز للدول الصديقة والمحايدة بأسعار معقولة، كما هو الحال مع الهند، وطمأنة دول الجوار الخليجيين أنها تستهدف فقط أهدافا أميركية على أراضيها.
أما التمايز في سياسة النزيف الأميركية – الاسرائيلية بين واشنطن و»تل أبيب»، فهو أن الولايات المتحدة الأميركية لا تذهب إلى حدود إسقاط النظام، وإنما إلى إضعافه، أو إلى إيجاد «بدائل فيه ومنه» متعاونة مع البيت الأبيض، فيما خيارات «اسرائيل» تذهب أبعد من ذلك، إلى تدمير البنية العسكرية والاقتصادية والإجتماعية، وإشاعة الفوضى التامة في ايران، وكذلك التفرّد بلبنان واعتبار أن مشاركتها في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، منحها حرية كاملة في العمل العسكري في غزة وفي الجنوب اللبناني، وفي الضغط على الدولة اللبنانية لإيجاد هوّة واسعة بينها وبين حزب الله، وفي توفير الظروف لاقتطاع قسم كبير من الجنوب اللبناني، واستخدامه ورقة ضغط إضافية في مفاوضات تذهب إلى أبعد من التطبيع والإستتباع.
في مرحلة التصعيد هذه، قد تكون الحسابات الفعلية والخفية، هي «حدث كبير» تعمل عليه دوائر القرار في كل من واشنطن و»تل أبيب» وطهران. ويرى البعض أنه يدور حول اغتيالات لشخصيات محورية، تربك المضي في الحرب، وتفتح نافذة على تحرك فاعل للديبلوماسية المرمية جانبا حاليا، باعتبار أن الكلمة هي للحرب. والسؤال من يكون الهدف في الإغتيال في حسابات الجهات المتحاربة؟
الديار



