بين الحرب والنزوح: اللبنانيون يواجهون مصيرهم وحدهم… والوحدة الوطنية ضرورة لا خيار (بقلم محمد السيد)

الوادي
منذ اندلاع الحرب بين لبنان والكيان الصهيوني، بدا واضحًا أن تعاطي الدولة مع الأعداد الهائلة من النازحين اتسم بقدر كبير من الانتقائية، ما عكس في جانب منه موقفًا رافضًا للحرب من خلال طريقة التعامل مع المواطنين.
ففي اليوم الأول، لم تكترث الجهات الرسمية للازدحام الخانق الذي علق فيه آلاف المواطنين لأكثر من عشرين ساعة على الطرقات، في محاولة للوصول إلى مناطق أكثر أمانًا، رغم أن أعداد النازحين في اليوم الأول كانت أقل بكثير مقارنة بالحرب السابقة.
كما أن عملية فتح مراكز الإيواء جاءت بطيئة جدًا، إذ ما زالت حتى ساعة كتابة هذا المقال أعداد كبيرة من النازحين تمضي ليلها على الطرقات أو داخل سياراتها، في ظل غياب المساعدات الأساسية التي قد تسهم في التخفيف من معاناتهم. وبالطبع، برزت في المقابل مبادرات فردية، وأخرى من جمعيات وبلديات، تسعى جاهدة لتقديم ما تستطيع رغم ضعف الإمكانات.
كذلك، لم تبادر الدولة إلى اتخاذ خطوات عملية لتسهيل أمور النازحين، حتى في أبسط الملفات كخدمات الاتصالات. فلم تُمدَّد أيام الاستقبال على خطوط الهاتف الخلوي، ولم تُمنح أي باقات إنترنت ولو لفترة محدودة، تمكّن الناس من التواصل مع أقاربهم والاطمئنان عليهم.
وفي خضم هذه الأزمة، بدت مؤسسات الدولة وكأنها تعمل كلٌ وفق توجهات وزيرها، ما أدى إلى تباين واضح في الأداء. حتى إن وزارة الخارجية، بحسب الانتقادات، بدت وكأنها تتعامل بعدائية مع أبناء وطنها، رغم أن البلاد تعيش حالة حرب يفترض أن يكون فيها العدو واحدًا لجميع اللبنانيين.
وفي الوقت نفسه، تحوّل قائد الجيش والمؤسسة العسكرية إلى مادة للتجاذب السياسي، حيث وصل الأمر بالبعض إلى المطالبة بإقالته أو حتى محاسبته. إلا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري وقف بوجه هذه الدعوات، مؤكدًا: “لا يفكر أحد منكم بالمس بالجيش، من العنصر إلى قائده”.
أما رئيسا الجمهورية والحكومة فسارعا، وفق ما يرى مراقبون، إلى تقديم ما تبقى من أوراق قوة لدى الدولة عبر طلب التفاوض المباشر مع العدو، متناسين ما عاشه أبناء الجنوب طوال خمسة عشر شهرًا من الاغتيالات والدمار والقهر والقلق الدائم.
اليوم، سواء كنا مع الدخول في هذه الحرب أو رافضين لها، فإن الواقع واحد: نحن في حالة حرب. وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الحاجة ملحّة للحفاظ على السلم الأهلي وتعزيز الوحدة الداخلية لمواجهة تداعيات هذه المرحلة الصعبة. أما الخلافات السياسية وتبادل الاتهامات، فيمكن أن تُترك إلى ما بعد انتهاء الحرب.
أما الآن، فالأولوية يجب أن تكون لتوحيد الصفوف في مواجهة عدو متوحش يسعى إلى بثّ الفرقة بين اللبنانيين، ليزداد في غطرسته وعدوانه، ولعلّ ذلك يعيد إلى هذا المواطن الذي يرزح اليوم تحت وطأة المعاناة شعورًا حقيقيًا بالانتماء إلى وطنه، من دون أن يشعر بأي تمييز أو تفرقة في لحظة يفترض أن يكون فيها الجميع شركاء في المصير.
