اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

توظيفات ومحسوبيات و«إسقاط بالباراشوت» لزوجة رئيس الحكومة: الوكالات الدولية مستاءة من إدارة السيد لتوزيع المـساعدات

ندى أيوب

بعد 12 يوماً من الحرب، بدت صورة النزوح مختلفة عمّا كانت عليه في أيامه الأولى، إذ برزت المبادرات الإنسانية بصورة أوضح، وملأت جانباً من المشهد العام. في المقابل، تكشّفت معطيات إضافية تعكس سوء إدارة ملف النزوح على المستوى الرسمي، ما يجعله ملفاً فضائحياً يعرّي أداء المعنيين، وفي مقدّمهم رئيس الحكومة نواف سلام ووزيرتا الشؤون الاجتماعية حنين السيد والتربية ريما كرامي.

وفي هذا السياق، علمت «الأخبار» أن السيّد طلبت من الجهات الأممية العاملة في مجال الاستجابة الإنسانية في لبنان تأمين تمويل لتوظيف نحو 600 عامل وعاملة اجتماعية، بهدف توزيعهم على مراكز الإيواء، وهو ما أثار استغراب هذه الجهات، خصوصاً أن وزارة الشؤون الاجتماعية تمتلك أصلاً شبكة من المساعدين الاجتماعيين العاملين في مراكزها المنتشرة في مختلف المناطق، يمكنهم الالتحاق بمراكز الإيواء القريبة من أماكن سكنهم أو نزوحهم، فضلاً عن إمكانية الاستعانة بموظفين آخرين في الوزارة. أضف إلى ذلك أن إدارة ملف النزوح لا تقع على عاتق وزارة الشؤون وحدها، بل تتقاسمها مع وزارة التربية. وفي هذا الإطار، يبرز صراع على الصلاحيات.

إذ تشير المعطيات إلى أن تكليف سلام للسيّد بإدارة مراكز الإيواء لم يلقَ ترحيباً لدى كرامي التي أصدرت، بعد خمسة أيام على بدء موجة النزوح، تعميماً ينظم إدارة المراكز ويحدد توزيع الصلاحيات بينها وبين وزارة الشؤون الاجتماعية. فيما يفترض أن يكون تقسيم الأدوار والصلاحيات متفقاً عليه قبل اندلاع الحرب، خصوصاً أن الأمم المتحدة كانت قد طلبت من سلام والوزراء المعنيين، وعلى رأسهم السيّد وكرامي، الاستعداد لاحتمال اندلاع حرب قبل ثلاثة أشهر من اندلاعها.

وفي موازاة ذلك، تبدو كرامي، على غرار السيّد، وكأنها تحاول أيضاً تأمين مكاسب لموظفي وزارتها، إذ طلبت في تعميمها «تأمين أتعاب للكوادر البشرية العائدة لوزارة التربية» التي ستتولى إدارة مراكز الإيواء إلى جانب وزارة الشؤون الاجتماعية. والمقصود هنا مدير المدرسة والناظر والأستاذ وعامل المكننة والمستخدم والحارس. وهؤلاء جميعاً موظفون أو متعاقدون مع الوزارة ويتقاضون رواتبهم أساساً.

علماً أنه خلال عدوان عام 2024، لم تُسجّل أي عملية توظيف بذريعة إدارة مراكز الإيواء، وأُديرت الأمور بقدر مقبول من التنظيم، إذ كان كل مدير مدرسة يقدّر الطريقة الأنسب لإدارة المركز، وغالباً ما كانت تتشكل لجنة تضم المدير والناظر ومتطوعين وأحياناً ممثلاً عن النازحين.
والمشكلة هنا ليست في حصول هؤلاء على بدل إضافي في حال فرض وجودهم في المدارس خلال فترة النزوح أعباء مالية إضافية عليهم، بل في المنطق الذي يحكم مقاربة السيّد وكرامي، والذي يعكس أن الأولوية تبدو في محاولة الاستفادة من الأزمة، مرة عبر التوظيف ومرة عبر تأمين فرص عمل، بدلاً من التركيز على إدارة فعّالة لملف النزوح.

الاستثمار السياسي في الأزمة يبدأ من أعلى الهرم، إذ أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية، المحسوبة على رئيس الحكومة، تكليف سحر بعاصيري، زوجة سلام، مسؤولية قطاع الغذاء ضمن إطار الاستجابة للأزمة، ما أثار استغراب عاملين في مجال الاستجابة الإنسانية. ويشير هؤلاء إلى أن قطاع الغذاء، شأنه شأن بقية القطاعات، يكون عادة بإشراف منسّق قطاع من وكالات الأمم المتحدة، إلى جانب ممثل عن منظمة دولية أو محلية، يتولّيان التنسيق مع الوزارة المعنية لتقديم المساعدات.

كما أن تكليف بعاصيري طرح إشكاليات إضافية، إذ لا تحمل صفة رسمية في الدولة: فهي ليست وزيرة، ولا ترأس هيئة إغاثية تابعة لرئاسة الحكومة، ولا تدير مؤسسة حكومية، بل وليست حتى موظفة في الإدارة العامة. وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول آليات المساءلة والمحاسبة. وفي حين لا تذكر خطة الطوارئ هذه الآليات بوضوح، فإن وجود سلام على رأس هيكلية الاستجابة، أي الفريق المعني بتنفيذ الخطة وتقديم المساعدات، يعني عملياً أن مسؤولية المساءلة تقع عليه، بما يشمل جميع العاملين في هذه الهيكلية، ومن بينهم زوجته.

وزيرة الشؤون تطلب تمويلاً لتوظيف نحو 600 عامل لتوزيعهم على مراكز الإيواء

توزيع المنافع السياسية واستثمار الحرب لا يقتصران على هذه الخطوة. فبحسب متابعين، تميل السيّد إلى منح الأدوار لجهات قريبة منها سياسياً. فقد بات معلوماً أن السيّد تدخلت من أجل إبعاد «جمعية بنين الخيرية» التي كلّفها سلام تجهيز وإدارة «مدينة كميل شمعون الرياضية»، ليجري إسناد المهمة إلى «مؤسسة مخزومي»، التابعة للنائب فؤاد مخزومي الذي يحاول توظيف الملف سياسياً وانتخابياً. وكانت السيّد قدّمت خدمة سابقة لمخزومي قبل اندلاع الحرب، تمثّلت بإصدار مرسوم يقضي بتحويل مؤسسته إلى «جمعية ذات منفعة عامة»، ما يتيح لها الاستفادة من جملة امتيازات وإعفاءات ضريبية.

ويُلاحظ في التقرير اليومي الذي تنشره وحدة إدارة الكوارث غياب أي تفصيل يتعلق بكمية ونوعية المساعدات الموزّعة على مراكز الإيواء، باستثناء تقريرين صدرا الجمعة والسبت الماضيين تضمّنا أرقاماً حول الوجبات الجاهزة، ومستلزمات الأطفال، ومواد النظافة الشخصية، إضافة إلى بعض المواد الإغاثية التي استلمها النازحون حتى تاريخه. وهو ما كان يُنشر بشكل منتظم في التقارير اليومية للجنة الطوارئ خلال عدوان 2024 على لبنان. غير أنّ هذه الآلية لم تُعتمد في الحرب الحالية، ما يطرح تساؤلات حول سبب عدم تزويد وزارة الشؤون لوحدة إدارة الكوارث بهذه المعلومات، والهدف من إخفاء حجم المساعدات المقدّمة.

وفي موازاة ذلك، يسود استياء في أوساط بعض وكالات الأمم المتحدة، الجهة الأساسية التي تعتمد عليها الدولة لتقديم المساعدات للنازحين، مما يعتبرونه «خنقاً» لإمكانية التحرّك المرن في توزيع المساعدات، نتيجة احتكار وزارة الشؤون حق تحديد ما يُوزَّع وأين وكيف. وعبّر عاملون في أكثر من وكالة أممية ومنظمة دولية عن الامتعاض مما وصفوه بـ«هيمنة الشؤون الاجتماعية على القطاع الإنساني»، ومن هيكلية الاستجابة المعتمدة من قبل رئاسة الحكومة خلال الحرب الحالية، لما تسببه من «تعقيدات وتأخير في إيصال المساعدات». وتوضح المصادر أنّه «خلال الأزمات تلعب الوكالات والمنظمات دورها انطلاقاً من خبرتها، ومن كون فرقها وشركاءها موجودين ميدانياً لمسح الحاجات وتحديد مناطق التدخل وفق معايير الحاجة، فضلاً عن امتلاكها آليات واضحة للشفافية والمتابعة والمحاسبة».

وتضيف المصادر أن «المستغرب حالياً هو أن وزارة الشؤون الاجتماعية باتت تحدد للمنظمات الشريكة للوكالات الأممية التي ترغب في تقديم المساعدات أين توزّعها: في أي منطقة، وفي أي مركز إيواء. كما يُمنع تقديم أي مساعدة من دون موافقة الوزارة». وتطرح هذه الآلية تساؤلات حول المعايير المعتمدة في تحديد الأولويات، خصوصاً أن الوزارة جهة سياسية ولها حساباتها ومصالحها، ما يثير مخاوف من اعتبارات سياسية أو تفضيلية في توزيع المساعدات.

كما أنّ هذه الآلية تُبطئ وصول المساعدات، إذ يتعين على المنظمات التواصل أولاً مع وزارة الشؤون، التي تنسّق بدورها مع الوزارة المعنية بالخدمة أو المساعدة المطلوب تقديمها، قبل تحديد منطقة التدخل وربط المنظمة بالمحافظ ثم بمركز الإيواء المعني. ويقارن المعنيون ذلك بسهولة تنفيذ عمليات الاستجابة خلال عدوان 2024 على لبنان، حين كان منسّقو القطاعات في الأمم المتحدة وممثلو الوزارات يجتمعون بشكل شبه يومي في السراي الحكومي لتنسيق أولويات تقديم المساعدات، فيما كانت المنظمات والجمعيات قادرة على التحرّك مباشرة على الأرض بالتنسيق مع المحافظين.

إلى ذلك، يرى متابعون أن الجهات التي تتخذ القرار داخل وكالات الأمم المتحدة، على المستويات العليا، تتحمل بدورها مسؤولية ضمان احترام المعايير الإنسانية، وتأمين الشفافية في العمل الإغاثي، وضمان وصول المساعدات بأفضل طريقة ممكنة. فهذه الجهات، بصفتها مالكة للموارد، قادرة على فرض شروط تضمن حسن وسرعة توزيعها، بدلاً من ترك القرار لسلطة يُشكَّك في خبرتها ومصداقيتها. وإلا، لماذا لا يزال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) يعمل في لبنان، علماً أن أحد أهداف وجوده الأساسية كان تدريب الدولة اللبنانية على إدارة الأزمات؟

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى