ابتهاج روسي بـ«التورّط» الأميركي: موسكو تعرض الوساطة

ريم هاني
كرّرت روسيا، في الأيام الماضية، انحيازها إلى إيران في مواجهة الأعمال العسكرية «العدائية» التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على أراضيها، مؤكّدةً دعمها «الثابت» للجمهورية الإسلامية تحت «قيادتها» الجديدة. ويأتي ذلك في وقت تبدو فيه روسيا والصين المستفيدتين «الأُوليَيْن» من الحرب الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط. وأكّد سفير روسيا لدى المملكة المتحدة، أندريه كيلين، في مقابلة تلفزيونية أخيراً، أن بلاده تقف إلى جانب إيران، منتقداً التفسيرات الغربية «غير العادلة» للحرب. كما رفض أن تكون بلاده «على الحياد»، مشيراً إلى أن «الدول الغربية تتبع الآن المنطق القائل بأن إيران مذنبة في كلّ شيء. لكن لا أحد يقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا الهجوم على إيران، فيما الأخيرة ترد فقط على هذا الهجوم. هذا غير عادل على الإطلاق»، مشدّداً على أن «الأولوية يجب أن تكون الوقف الفوري للأعمال العدائية والعودة إلى المفاوضات الدبلوماسية».
من جهته، هنّأ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في رسالة نُشرت على موقع الكرملين، مجتبى خامنئي على انتخابه مرشداً لإيران، معتبراً أن الأخير سيواصل «إرث والده المشرّف». وممّا جاء في الرسالة: «أنا واثق من أنكم ستواصلون بشرف إرث والدكم وتحشدون الشعب الإيراني في مواجهة المحن الشديدة»، واصفاً الهجوم على إيران بـ«العدوان المسلّح»، والذي سيتطلب من خامنئي الابن «شجاعة كبيرة وتضحية بالنفس في منصبه الجديد». كما أعرب ساكن الكرملين عن دعم موسكو «الثابت» لطهران، قائلاً: «من جهتي، أودّ أن أؤكد مجدّداً دعمنا الثابت لطهران وتضامننا مع أصدقائنا الإيرانيين، وروسيا كانت وستظلّ شريكاً موثوقاً للجمهورية الإسلامية».
ويجيء ذلك في وقت تفيد فيه تقارير غربية، بما فيها تلك التي نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» ووكالة «أسوشيتد برس»، بأن روسيا «شاركت معلومات استخباراتية مع إيران، لمساعدتها في استهداف الجيش الأميركي»، شملت «مواقع السفن الحربية والطائرات الأميركية والأصول العسكرية الأخرى». وفي حين تتجنّب موسكو تبنّي مثل هذه المعلومات، حاول ترامب، رداً على أسئلة صحافية أخيراً، «التقليل» من أهميتها.
وفي الوقت نفسه، سرت معلومات عن محاولات روسية متزايدة للدخول على خط الوساطة، بعدما بحث كلّ من بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب، في اتصال هاتفي يوم الإثنين، الحرب على إيران، والتي قدّم الأول للثاني «مقترحات عدة» في شأنها، بحسب ما أفادت به مصادر روسية موقع «أكسيوس». وفي هذا السياق، يؤكد ديميتري بريجع، الباحث ومدير «وحدة الدراسات الروسية» في مركز «الدراسات العربية الأوراسية»، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الحديث عن مساعٍ روسية للتوسط بين واشنطن وإيران لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن تقليد طويل من الدبلوماسية الروسية التي تسعى لتثبيت موقع موسكو كقوة ضامنة للتوازنات الدولية، وحجز دور لها في الشرق الأوسط، وهو ما انعكس في إنشاء قاعدة عسكرية في سوريا عام 2015، وغيرها من الملفات التجارية والاقتصادية التي تربط روسيا بدول المنطقة».
أعلنت موسكو عن «زيادة كبيرة في الطلب على مُنتجات الطاقة الروسية»
ويعتقد بريجع أن أي مبادرة ستستند إلى مجموعة من المبادئ، وعلى رأسها منع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة، قد تؤدي إلى امتداد الفوضى الجيوسياسية في مناطق أخرى، من مثل القوقاز وآسيا الوسطى، «والتي ترتبط بالأمن القومي الروسي بشكل مباشر». كما قد تتجاوز الوساطة الملف النووي لتشمل قضايا الأمن الإقليمي وحرية الملاحة ودور الفاعلين الإقليميين المستقبلي. كذلك، يحتمل الخبير، في تقدير لافت، أن يتمّ، بالتوازي مع المحادثات حول إيران، «بحث الفوائد المستقبلية لروسيا في ما يتعلّق بالملف الأوكراني»، بما يشمل إزالة العقوبات عن كبرى المصارف وشركات النفط الروسية. وحول مدى إمكانية «استجابة» واشنطن للوساطة الروسية المحتملة، يذكّر المصدر نفسه بأن الأخيرة لطالما كانت تنظر بـ«حذر» إلى أيّ دور روسي في مناطق تعتبرها ضمن دائرة نفوذها، مشيراً، في المقابل، إلى أن «حربَي العراق وأفغانستان خلقتا قناعة لدى صنّاع السياسة في الولايات المتحدة بأن الحروب الطويلة لا تأتي من دون كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية عالية، ما قد يجعل بعض الدوائر في واشنطن تميل بالفعل إلى تلك الوساطة».
يُشار إلى أنه في الشهر الماضي، كانت المتحدّثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أعلنت أن طرح روسيا حول الاحتفاظ باليوارنيوم المُخصّب الإيراني لا يزال «على الطاولة»، مشدّدةً على أن «الإيرانيين وحدهم لديهم الحق في الاستغناء عنه، بما في ذلك اتخاذ القرار بشأن تصديره إلى خارج الأراضي الإيرانية، وفي حالة اتخاذ قرار إيجابي بهذا الشأن، هم من يختارون إلى أين يتمّ تصديره». ويتماشى العرض المُشار إليه مع عناصر «خطة العمل الشاملة المشتركة» لعام 2015 (JCPOA)، والتي قبلت روسيا بموجبها سابقاً أخذ أجزاء من اليورانيوم المُخصّب الإيراني وتخزينها مقابل إمدادات من اليورانيوم الطبيعي لدعم برنامج طهران النووي المدني.
تداعيات «إيجابية»
من جهة أخرى، تقدّر صحيفة «واشنطن بوست» أن «روسيا تستفيد بالفعل من الحرب الإيرانية، ولا سيما أن ارتفاع أسعار النفط وقرار ترامب تخفيف العقوبات على مشتريات الهند من النفط الروسي من شأنهما أن يساعدا في تمويل آلة الحرب الروسية». يُضاف إلى ما تقدّم، أن «الولايات المتحدة تحرق مخزونات محدودة من الصواريخ بسرعة، وخاصة صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية، التي تشتد الحاجة إليها في أوكرانيا»، وهو ما دلّ عليه حديث الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، عن أن «صواريخ (باتريوت) التي تمّ إطلاقها خلال ثلاثة أيام فقط من القتال مع إيران، فاقت ما استخدمته أوكرانيا منذ عام 2022». كذلك، فإن «الصواريخ الموجّهة التي يتم استنفادها بسرعة هي ضرورية أيضاً للدفاع عن تايوان، فيما سيستغرق تجديدها وقتاً طويلاً».
وفي هذا الإطار، يرى الخبير نفسه أن «الحرب الطويلة مع إيران تتعارض مع الأولويات الأميركية تجاه آسيا والمحيط الهادئ»، ما قد يجعل واشنطن تعدل عن الخيار العسكري، وتعيد «صياغة» أدوات الصراع مع طهران، مرجّحاً العودة إلى استخدام الردع العسكري المحدود والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، بدلاً من المخاطرة بـ«إغراق» دول المنطقة واقتصاداتها.
وبالعودة إلى النفط، وبعدما كانت الولايات المتحدة قد فرضت تعرفة جمركية إضافية بنسبة 25% على الهند بسبب وارداتها من النفط الروسي في آب، أصدر وزير الخزانة، سكوت بيسنت، هذا الأسبوع، إعفاء من تلك الرسوم الجمركية لمدة 30 يوماً، مؤكداً أنّه يدرس «رفع المزيد من العقوبات، مقابل فرض أخرى على صادرات النفط الروسي في مكان آخر». وفي منشور على موقع «أكس» الخميس، زعم بيسنت أن «الإجراء القصير الأجل المتعمّد لن يوفّر فائدة مالية كبيرة للحكومة الروسية لأنه يسمح فقط بالمعاملات التي تنطوي على النفط العالق بالفعل في البحر».
على أن روسيا سرعان ما أعلنت، على لسان المتحدّث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، عن «زيادة كبيرة في الطلب على مُنتجات الطاقة الروسية». وبالفعل، يقدّر مراقبون أنه بعدما اضطرت الشركات الروسية إلى بيع نفطها بخصم يُراوِح بين 10 و13 دولاراً للبرميل قبل الهجمات الأميركية – الإسرائيلية على إيران، فقد أصبحت تبيعه بعلاوة تُراوِح بين 4 و5 دولارات، بحسب وكالة «رويترز». فعلى سبيل المثال، وبدلاً من بيع البرميل بـ60 دولاراً، بعد الخصم، أصبحت روسيا تبيعه بـ105 دولارات، مع علاوة 5 دولارات فوق سعر برنت الذي تجاوز الـ100 دولار.
تعقيباً على ذلك، يرى الخبير من مركز «الدراسات العربية الأوراسية»، في حديثه إلى «الأخبار»، أن التطورات الأخيرة كشفت «حدود سياسات العقوبات الاقتصادية كأداة للضغط السياسي»، ولا سيما أن روسيا كانت قد أعادت، قبل رفع العقوبات، توجيه صادراتها إلى دول من مثل الصين والهند، وهو ما خلق «تغيّراً بنيوياً في خريطة الاقتصاد العالمي الذي لم يعد يخضع لسيطرة الغرب المركزية».
الأخبار



