بريطانيا تريد كامل بيانات النازحين

محمد وهبة
تغلغلت منظمة «سايرن» البريطانية في لبنان إلى درجة يصعب معها التمييز بين ما تقوم به الإدارات اللبنانية، وبين أجندة هذه المنظمة التي يُعرف عنها أنها حلقة وصل للتعاون الأمني البريطاني في الشرق الأوسط. حالياً، لدى «سايرن» عقود مع إدارات مدنية وأمنية، واللافت أنها سجّلت نشاطاً مفاجئاً لجمع البيانات قبل ساعات من شنّ أميركا والكيان الصهيوني الهجمات على إيران.
نشاط مفاجئ في إعلان إنشاء غرفة إدارة قيادة وتحكّم في وزارة الداخلية، بالتوازي مع قيام وزارة الشؤون الاجتماعية بإجبار «الشركاء» أو «المانحين» على الانخراط في برامج الوزارة لمشاركة البيانات وتحديد سقوف الدعم النقدي، تحت طائلة «التقييد». هي نفسها المنظّمة التي أسّست وشغّلت منصّة Impact أثناء جائحة كوفيد، وهي نفسها التي تجمع بيانات برنامج مساعدة الفقراء لدى وزارة الشؤون الاجتماعية.
في 27 شباط أصدرت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، التعميم الرقم 4 الموجّه إلى «الشركاء»، تطلب منهم في إطار «الإرشادات المؤقتة بشأن تنسيق الاستجابة للصدمات والمتطلبات التشغيلية للشركاء المنفّذين ضمن خطّة التأهّب والاستجابة للطوارئ»، الالتزام بالإجراءات المؤقّتة لتقديم الدعم النقدي والعيني للأفراد والأسر المتضررة من النزاعات المسلّحة، تحت طائلة «التقييد».
أبلغتهم الخطوات الضرورية للانخراط بهذه الشراكة والتي تبدأ بإبلاغ الوزارة أولاً، ثم توقيع نموذج «عدم الندم»، وانتظار موافقة الوزارة المشروطة بـ«مشاركة لوائح المستفيدين مع وزارة الشؤون الاجتماعية»، أي أن تكون لدى «الجهة اتفاقية مشاركة بيانات موقّعة أو قيد الاستكمال مع وزارة الشؤون الاجتماعية»، على أن تقرّر الوزارة بعدها إدراج المستفيدين ضمن برنامج المساعدة النقدية الخاص بها.
إذاً، شروط التبرّع والاستفادة مرتبطة بمشاركة البيانات. ثمّة لائحة طويلة من الإجراءات الواجب اتّباعها في هذه الحال، فضلاً عن أن أي تحرّك في مجال المساعدة محصور قراره بالوزارة. فهل تُعدّ هذه العملية محميّة لجهة بيانات الأفراد والأسر؟
الثابت حتى الآن، هو أن هذا العقد يدار تقنياً من خلال منظمة اسمها Siren Associates (سايرن). وهذه الأخيرة، بحسب «Intelligence Online » هي منظّمة غير ربحية تعمل كحلقة وصل للتعاون الأمني البريطاني في الشرق الأوسط، ولديها شراكات مع منظمات هي عبارة عن واجهات أمنية للدول مثل ADS Group التي تمثّل قطاع الدفاع والأمن في بريطانيا. وتعمل هذه المنظمة في لبنان من خلال عقود مُموّلة من الحكومة البريطانية، أبرزها عقد في أيلول 2026 بعنوان «دعم برنامج المساعدة الأمنية الداخلية في لبنان» بقيمة 46 مليون جنيه إسترليني.
يُعرف عن هذه المنظمة المُموّلة من بريطانيا أنها حلقة وصل للتعاون الأمني
يسيطر على «سايرن» كل من جوناثان ماك إيفور ومارك معوض إلى جانب كارين دالين وكارول شرباتي. الأول هو المدير التنفيذي والمؤسّس وقد كان ضابطاً في الشرطة البريطانية، ويُعرف عنه أنه خبير في «إصلاح قطاع الأمن». أيضاً قاد ماك إيفور مشاريع كبرى لإعادة هيكلة أجهزة الشرطة في مناطق النزاعات مثل إيرلندا الشمالية قبل انتقاله للعمل في الشرق الأوسط. والثاني، أي معوض، هو تقني وخبير تحوّل رقمي وإدارة بيانات، يشغل منصب مدير البرامج، وبرز اسمه كمهندس تقني في إعداد منصة IMPACT في لبنان.
باختصار، يمثّل ماك إيفور الجانب الأمني مع الخلفية البريطانية، بينما يمثّل معوض الجانب التقني والتنفيذي الذي يربط المشاريع بالواقع المحلي. أمّا دالين فهي متخصّصة في دعم الأنظمة والتخطيط، وتشغل منصب مديرة التطوير المؤسساتي، بينما شرباتي هي مديرة إصلاح القطاع العام.
ولدى Siren Associates العديد من العقود التي تديرها وتشغّلها في لبنان، أبرزها يأتي في إطار برنامج المساعدة البريطاني لدعم قوى الأمن الداخلي. وبحسب إفصاح المنظّمة على موقعها الإلكتروني، فقد أشرفت على وضع وتنفيذ الخطة الاستراتيجية (2018-2022) التي ركّزت على «الشرطة المجتمعية» وتحويل العمل الشرطي من ورقي إلى رقمي، وهي «تدعم قوى الأمن في استخدام تحليل البيانات لرفع كفاءة توزيع الموارد وضمان السلم الأهلي».
أمّا في مجال التحوّل الرقمي، فقد ارتبط اسم الشركة بإنشاء البنية التحتية الرقمية لعدد من منصات الدولة تحت إشراف التفتيش المركزي، مثل IMPACT التي تربط أكثر من 20 وزارة و1000 بلدية، ومشروع GOAL لتعزيز الشفافية والمساءلة في المؤسسات العامة عبر الرقابة الرقمية الفورية.
فضلاً عن منصّة دعم كجزء من برنامج شبكة الأمان الاجتماعي الطارئة المُموّل من البنك الدولي، وعقد استشاري تقني لمعالجة اكتظاظ السجون، ومنصة Monitor Lebanon لتوفير بيانات فورية حول الوضع الأمني الميداني لمساعدة الأفراد والمنظمات على التنقل بأمان.
هذه العقود وطبيعتها ونوع الشركة وأحوال مؤسّسيها وارتباطاتهم إلى جانب التمويل، كلّها مثيرة للشبهات، لكن ما كان لافتاً أن وزارة الشؤون الاجتماعية أصدرت التعميم للحصول على البيانات من «الشركاء» في 27 شباط، وأن المنظمة البريطانية أعلنت قبل أيام أنها أسهمت في تأسيس مركز التحكّم والسيطرة التابع لوزارة الداخلية الذي يتضمّن قاعدة البيانات المركزية وتحليلها.
يضاف إلى ذلك، أن وزير الاقتصاد عامر البساط صرّح أنه كان يتحضّر لهذه الحرب منذ شهرين. أليس لافتاً أن الوزيرين حنين السيد وعامر البساط هما أساس خليّة إدارة الأزمة المُكلّفة من رئيس الحكومة نواف سلام بمتابعة ملف الاستجابة لصدمات الحرب والنزوح؟
حتى الآن لا توجد أجوبة واضحة عن الأسئلة المُثارة بشأن عمل هذه المنظمة في لبنان، ولا بشأن كل هذه الصدف التي تقاطعت فجأة في توقيت واحد. لكن هل هذا يعني أن البيانات الخاصة بالمقيمين والمنتسبين إلى برامج وزارة الشؤون الاجتماعية، محميّة؟ انطلاقاً من تجربة IMPACT، فإن الخودام التي تُحفظ فيها بيانات المسجّلين، هي خوادم أجنبية في ألمانيا تحديداً.
وتتضمّن هذه البيانات كل أسماء وعناوين الأسر وأرقام هواتفهم ونبذة عن أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية والأمنية وربما لديها حقّ الوصول من خلال غرف الإدارة والتحكّم إلى داتا الاتصالات أيضاً.
فضلاً عن أنها تتضمّن أيضاً بيانات الإدارات العامة التي تعمل من خلالها. وليس واضحاً من بإمكانه الاطّلاع على هذه المعلومات، لكن من شبه الثابت أن هناك إشرافاً تقنياً من قبل موظفي «سايرن» على كل ما يتعلّق بالمنصة، فضلاً عن أنه لا توجد ضمانات تقنية أو أمنية تؤكد عدم اختراق هذه البيانات من قبل جهات خارجية قد تكون معادية.
الأخبار



