اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

سُكان الضاحية في ليلتهم الطويلة: هائمون في الطرقات بحثاً عن «مأوى آمن»

بعد غارات العدو الإسرائيلي على منطقة حارة حريك ليل الأحد – الإثنين، دخلت الضاحية الجنوبية لبيروت، عملياً، روتين الحرب. حركة خجولة في الشوارع، لا تشبه بدايات الأسبوع. سيارات متوقّفة تحت الأبنية مُحمّلة بالحقائب والمفروشات يتحضّر أصحابها للنزوح من جديد. وشاحنات أمام المحالّ التجارية الكبرى لنقل بضائعها إلى أماكن أكثر أمناً.

هذا حال التجار ومن بات في سريره ليلة الضربة. غير أن آخرين فضّلوا مغادرة بيوتهم تحت القصف، لاقتناعهم بأنه بداية حرب ستتوسّع سريعاً. ثلاث غارات بلا فوارق زمنية تُذكر دكّت نوم الآمنين في البيوت، قبل أن يملأ الرصاص الأجواء لإنذار من بقي نائماً، ويصدر «بيان حزب الله الرقم 1». ولم يكد السكان ينهون قراءة البيان، حتى دوّت بينهم انفجارات عنيفة سُمعت أصواتها في أرجاء العاصمة، قبل أن تنتهي الليلة باستشهاد عشرين منهم.
منذ انتهاء جولة الحرب الأولى في تشرين الثاني 2024، لم يمر على الضاحية مثل هذه الليلة. فعلى امتداد أكثر من عام، عاش سكانها هدوءاً نسبياً، غير أنه تلاشى فجر أمس.

هكذا، في الليل المُثقل بالخوف، خرج الناس من بيوتهم بلباس النوم وعيون هلعة. صحيح أن سيناريو التهجير كان ضمن التوقّعات، إلا أنه لم يكن في الحسبان أن يأخذهم العدو على حين غرّة. لذا، قلة من الناس من كانوا قد تجهّزوا سابقاً.
بالنسبة إلى هؤلاء، لا تزال دروس حرب 2024 حاضرة في الذاكرة، وتُختصر بأن الخروج من المنزل عند وقوع أي حالة طارئة يُحتمل أن يطول، والبيوت، أو مراكز النزوح التي يتوجهون نحوها لا تحتوي بالضرورة على ضرورات الحياة. لذا، لا بدّ من حمل ما تيسّر من أدوات منزلية وملابس، وبالطبع حقيبة الطوارئ، وأخرى فيها الأوراق الثبوتية الرسمية وما تيسّر من أموال. ولكنّ الغالبية الساحقة خرجت بلا شيء وبلا وجهة. لم يطغَ على تفكيرها في تلك اللحظة العصيبة من الليل الموحش سوى هاجس واحد: النجاة.

منذ انتهاء جولة الحرب الأولى لم يمر على الضاحية الجنوبية كليل الأحد – الإثنين


هكذا، باتت الضاحية كلها في الشوارع. وهذا ليس تعبيراً مجازياً. فالواقع الذي استفاق عليه أهلها، دفعهم إلى الخروج دفعة واحدة إلى الطرقات، بحثاً عن مكان آمن يلجأون إليه، ولو كان المبيت في السيارات أو الحدائق العامة. فالمهم هو الهروب من الضاحية.
في لحظة واحدة، أُقفلت معظم الطرقات والأحياء بالسيارات والناس. وكان معظمهم يسلك الطرقات بلا وجهة محدّدة، إذ كان ما يهمّهم في تلك اللحظة أن يجدوا طريقاً سالكاً نسبياً كي لا تباغتهم الزحمة.

لكن، سرعان ما سُدّت معظم المنافذ، فعدا الطرقات التي أُقفلت بسبب الغارات ولا سيما طريق المطار (جسر المطار سابقاً)، انقسمت أرتال السيارات وجموع الناس في باقي الطرقات بين من اختار الذهاب نحو بيروت الإدارية ومنهم إلى مناطق الجبل، لمن استطاع إليها سبيلاً، ومن سلك الطريق باتجاه خلدة وعرمون وغيرهما من البلدات التي تُعدّ (حتى اللحظة) آمنة، بانتظار ما سيحمله الصباح من قرارات مدروسة. وقد استمرّت حركة النزوح هذه، حتى ساعات الصباح الأولى، قبل أن يعود بعض من غادروا لتوضيب ما أمكن من الاحتياجات.

أمّا المحالّ التجارية، ففتحت أبوابها على مضض، وكأنّ أصحابها ينتظرون اندلاع الحرب في أي لحظة. ولأنهم لا يريدون المخاطرة هذه المرّة، اختاروا بشكل جماعي غير مقصود إخلاء محالّهم من السلع الموجودة فيها، قبل مغادرة المنطقة. فالتجربة الماضية أثبتت أنّ «العودة تحت النار لإنقاذ الرزق مكلفة للغاية، إذ كلّف نقل محتويات المحل من السجاد مبلغ 1200 دولار، وهذا ما لا أستطيع تحمّله الآن»، يقول محمد قاروط صاحب أحد محالّ بيع السجاد في محلّة الرويس لـ«الأخبار».

كذلك، لم يُرِد علي الطويل المخاطرة في ترك الأدوات المنزلية في محلّه. ففي الحرب الماضية، ورغم عدم تدمير المبنى، إلا أن الأضرار كانت كبيرة على ممتلكاته. لذا، استعجل هذه المرّة، وفقاً لتعبيره، واستأجر عدداً من الشاحنات لنقل بضائعه إلى مستودع مستأجر في «منطقة آمنة، أي خارج الضاحية الجنوبية». وهذا الأمر، أي استئجار المستودعات خارج الضاحية، هو ما سعى إليه عدد من تجار الضاحية الجنوبية قبل التصعيد الحالي بشهرين، وفقاً لمحمد الموسوي، صاحب أحد محال بيع الهواتف الخلوية.

بالنسبة إليهم، الحرب كانت حتمية، وبالتالي لا بدّ من تأمين مستودعات خارج الضاحية الجنوبية، يقول الموسوي، مؤكداً أنه ليس وحده من اتخذ هذه الخطوة، فهناك تجار دراجات نارية وقطع سيارات يتقاسمون الآن مستودعات في «مناطق آمنة»، وكلّ ما هو مطلوب أصبح إخراج ممتلكاتهم إليها فقط.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى