سيناريو سقوط إيران: هذا ما ستخسره روسيا والصين

لينا بعلبكي
ففي خضمّ الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران في حزيران الماضي، سُئل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خلال «منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي» (18 – 19 حزيران)، عن ردّه المحتمل في حال أقدمت واشنطن وتل أبيب على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، السيد علي خامنئي، فأجاب: «لا أريد حتى مناقشة هذا الاحتمال»، موضحاً، في الوقت نفسه، أن «الشراكة الاستراتيجية» بين موسكو وطهران «لا تتضمن بنداً يتعلق بالتعاون الدفاعي». وعقب تأكيد استشهاد خامنئي فجر الأحد، قدّم بوتين تعازيه للرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، واصفاً عملية الاغتيال بأنها «انتهاك صارخ للأعراف الإنسانية والقانون الدولي»،
ودانت الصين، بدورها، عملية الاغتيال، وقال وزير خارجيتها، وانغ يي، إن «القتل الصارخ لزعيم دولة ذات سيادة والتحريض على تغيير النظام أمران غير مقبولين»، داعياً إلى «وقف فوري للعمليات العسكرية والعودة إلى الحوار». كما أعرب عن ثقة بلاده بقدرة إيران على «الحفاظ على استقرارها الوطني والاجتماعي». ورداً على سؤال طرحته «هيئة الإذاعة والتلفزيون» الإيرانية على المتحدّثة باسم وزارة الخارجية الصينية، ماو نينغ، أمس، حول «كيف يمكن للصين أن تلعب دوراً في منع الولايات المتحدة من القيام بإجراءات أُحادية من مثل اغتيال قادة الدول ذات السيادة»، جاء الردّ مماثلاً لحديث وانغ.
هكذا، عملياً، حافظت موسكو وبكين على موقف دبلوماسي رافض للتصعيد، من دون انخراط مباشر فيه. ويرى مراقبون أن هذا الموقف يعكس حسابات المصالح؛ فالصين حريصة على تجنّب صدام مع الولايات المتحدة وشركائها الاقتصاديين، فيما تنشغل روسيا بحربها في أوكرانيا. ويشير هؤلاء إلى أن طهران، التي قدّمت دعماً عسكرياً لموسكو في حرب أوكرانيا، ربما كانت تتوقّع دعماً مماثلاً. وبالمثل، عندما وفّرت للصين نفطاً بخصومات كبيرة قُدّرت بنحو 14 دولاراً للبرميل، ما حقّق لبكين وفورات سنوية تقارب 7 مليارات دولار، ربما كانت تتوقّع السماح لها بشراء بعض من أحدث الأسلحة التي تزوّد بها بكين شركاءها الآخرين (من مثل المقاتلات الحديثة وطائرات الإنذار المبكر والغواصات والفرقاطات وأنظمة الدفاع الجوي التي أُرسلت إلى باكستان؛ أو أنظمة الصواريخ الباليستية المتقدّمة والدبابات القتالية الرئيسة التي أُرسلت إلى بنغلادش).
إلا أن العلاقات الثلاثية، رغم توصيفها بالشراكة الاستراتيجية، ما زالت دون هذا المستوى؛ لا بل إن أطرافها لا يتوانون عن «التخفّف» بعضهم من بعض حيثما يلزم. فعلى سبيل المثال، بات خط الإنتاج الكبير لمُسيّرات «شاهد» الذي ساعدت الجمهورية الإسلامية، روسيا، على إنشائه في تتارستان، يعمل إلى حد كبير من دون مشاركة إيرانية. كما تمّ تزويد النماذج الأحدث التي عُثر عليها في أوكرانيا بمحرّكات صينية بدلاً من الإيرانية، في وقت أصبحت فيه موسكو تعتمد بشكل كبير على الإمدادات من كوريا الشمالية، بما في ذلك الذخائر والصواريخ الباليستية القصيرة المدى.
استهداف إيران اليوم إنما هو إعلان حرب على التوازن الدولي الناشئ برمّته
أمّا الصين، فالأكيد أنها ليست معنيّة بأي مواجهة مباشرة مع الغرب، أو استدعاء إجراءات انتقامية جادّة من جانبه، وإن استمرّت في دعم إيران سياسياً، ولا سيما في مجلس الأمن. كذلك، تسعى بكين لتلافي التوترات مع الشركاء الرئيسِين في مجال الاقتصاد، خصوصاً منهم السعودية والإمارات، وهو ما يدفعها إلى تجنّب الإجراءات التي يمكن أن تؤدّي إلى تصعيد تلك التوترات.
ومع ذلك، فإن ما تسمّيه القوى الغربية، «محور عدم الاستقرار»، عانيةً به روسيا والصين وإيران، يمثّل ثقلاً حقيقياً موازناً لنفوذ الغرب، خصوصاً أن ثمّة هدفاً مشتركاً رئيساً بين أطرافه، يتمثّل في مواجهة الهيمنة الأميركية، والدفاع عن السيادة الوطنية، وتوسيع النفوذ في المناطق الاستراتيجية. ومن هنا، وفي سياق جيوسياسي أوسع يعاد فيه تشكيل ملامح النظام الدولي، يمكن القول إن استهداف إيران اليوم، إنما هو إعلان حرب على التوازن الدولي الناشئ برمّته. وفي هذا السياق، يجادل مراقبون بأن سيناريو سقوط النظام الإيراني، ووصول حكومة موالية للغرب إلى سدّة الحكم هناك، سيكون بمثابة زلزال جيوسياسي، تُعتبر الصين وروسيا، كقوى صاعدة، من بين الأكثر تأثّراً به، إذ ستتحوّلان إلى «خط دفاع أمامي مكشوف» أمام الضغوط الغربية، وستتحمّلان هذا العبء، نسبياً، بمفردهما.
ضربة استراتيجية لـ«طريق الحرير» وأمن الطاقة
نظراً إلى موقعها الفريد الذي يوفّر لها ميزة ربط العمق الآسيوي غير الساحلي مباشرة بالمحيطات، تمثّل إيران الجسر الجغرافي الذي يمنح مبادرة «الحزام والطريق» الصينية تماسكها وقدرتها على الجمع بين المسارَين البري والبحري، من دون المرور بالمضائق البحرية الخاضعة لرقابة القوى الغربية. ولذا، فإن وصول حكومة موالية للغرب إلى الحكم في طهران، سيؤدّي إلى قطع هذه الطرق التجارية الحيوية وإغلاق البوابات الجنوبية التي كانت ضمن شبكة بكين، علماً أن الممر عبر طهران يمكن استبداله. كما أن تقويض «الحزام والطريق» التي تهدف إلى ربط الصين بآسيا وأوروبا وأفريقيا عبر شبكة موانئ وسكك حديد وطرق برية وبحرية، من شأنه أن يعزّز فرص مشروع «الممر الهندي» (IMEC) الذي يُطرح كمسار بديل يربط الهند بأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط (ميناء حيفا المحتلة). كذلك، فإن سقوط النظام قد يتيح تجميد الاستثمارات الصينية في إيران التي تتجاوز 400 مليار دولار كإطار محتمل، والمندرجة في إطار «اتفاقية الـ25 عاماً» الموقّعة بين الطرفين، أو حتى مصادرة تلك الاستثمارات.
وإلى جانب ذلك، يعني أي تحوّل لإيران نحو الغرب السيطرة الأميركية على مضيق هرمز، وميناء تشابهار الإيراني، ما يعيد إحياء «معضلة ملقا»؛ أي الاعتماد على مضيق ملقا المخنوق من قبل البحرية الأميركية. وتتضاعف الخطورة، هنا، في حال سيطرة الأميركيين المطلقة على ميناء غوادر (الباكستاني)؛ إذ من شأن ذلك أن يجعل خطوط الطاقة الصينية أكثر عرضة للخطر، وعزل الصين قارياً، علماً أن الممر الاقتصادي الصيني – الباكستاني يُعدّ جزءاً من «مبادرة الحزام والطريق».
وبالإضافة إلى المعادن النادرة التي توفّرها إيران، فإن الصين تعتمد على الأخيرة كمصدر رئيس للنفط. وفي حال تغيّر النظام في إيران، فإن المُرجّح ليس فقط «زيادة» في المعروض الإيراني، إنما أيضاً إنهاء «الخصم» الذي تستفيد منه بكين اليوم، وتحويل النفط الإيراني من «سوق ظل مُقيّد» (يُباع لعدد محدود من المشترين وبخصومات) إلى «سوق علني» مفتوح للمنافسة، وهو ما من شأنه أن يرفع كلفة الطاقة الهامشية للصناعة الصينية، ويؤدّي إلى تحكم واشنطن بسوق الطاقة، والعودة بقوة إلى منافسة بكين، خصوصاً بعد العدوان الأميركي على فنزويلا، وما تبعه من «تحكّم» بموارد الجمهورية البوليفارية.
أمّا بالنسبة إلى روسيا، فإن خسارة إيران من شأنها أن تحرمها «شريكاً مهماً» في العديد من المناطق والمجالات، أثبت فاعليته في مقاومة النفوذ الأميركي على الأطراف الجنوبية لروسيا، في وقت تخشى فيه موسكو من «زعزعة الاستقرار» في جنوب القوقاز ومنطقة بحر قزوين، وآسيا الوسطى التي تُعدّ حيوية للأمن الروسي.
كذلك، فإن من شأن قيام نظام موالٍ للغرب في طهران، أن يغلق ممرّ النقل الدولي شمال – جنوب الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي (سان بطرسبرغ بمومباي مروراً بإيران)، والذي يلبّي حاجة موسكو إلى الوصول إلى «المياه الدافئة»، وتنويع طرق التجارة وخفض تكلفتها، والالتفاف على العقوبات الغربية. وفي ملف الطاقة، فإن إمكانات إيران من الغاز والنفط تتيح، في حال انفتاح البلاد على الاستثمارات الغربية، إغراق السوق العالمية وإضعاف النفوذ الروسي في هذا السوق.
الأخبار



