بريد القراء

رمضان تحت السلاسل والقيود… الأسيرات الفلسطينيات يصمن القهر ويكتبن الصمود…بقلم الدكتور وسيم وني




بقلم عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين – الدكتور وسيم وني

حين يهلّ شهر رمضان المبارك، تمتلئ البيوت بأصوات التهليل وتزدان الموائد بلمّة العائلة ودفء اللقاء ، غير أنّ خلف جدران السجون، تعيش الأسيرات الفلسطينيات واقعًا مغايرًا تمامًا؛ واقعًا تُقاس فيه الأيام بساعات الانتظار، ويختلط فيه الصيام بمرارة الحرمان، وتغيب فيه تفاصيل الفرح لتحلّ محلها إجراءات مشددة وسياسات تضييق متصاعدة، هناك، يصبح الشهر الفضيل مساحة أخرى من المعاناة اليومية، وامتحانًا مفتوحًا للصبر والثبات.

نحو سبعين أسيرة فلسطينية، بينهن أربع وعشرون أمًا، يقضين رمضان داخل سجن “الدامون” في المقابل تجلس عائلاتهن إلى موائد الإفطار بكرسي فارغ يحمل حكاية غياب موجع أطفال يكبرون على صور أمهاتهم بدل حضورهن، وأسر تحاول التماسك في وجه فراغٍ يتجدد  في كل مساء مع صوت الأذان ، وإن غياب الأم في شهرٍ يقوم على لمّ الشمل والتراحم، لا يقتصر أثره على اللحظة، بل يمتد ليترك ندوبًا نفسية واجتماعية عميقة، خاصة لدى الأطفال الذين يُحرمون من أبسط حقوقهم في الاحتضان والرعاية اليومية.

ومع حلول رمضان، تتصاعد الإجراءات الإدارية والعقابية داخل الأقسام النسوية ، فغالبية الأسيرات معتقلات على خلفيات تتعلق بما يُسمى “التحريض”، وبينهن صحفيات وطالبات جامعيات وقاصرات، يواجهن قيودًا صارمة تشمل منع زيارات الأهالي لفترات طويلة، والتضييق على لقاءات المحامين، ما يعمّق حالة العزل ويقوّض حقهن في التواصل القانوني والإنساني.

وتشير شهادات أسيرات محررات إلى أن إدارة السجون تتعمد منع إدخال الإمساكيات أو أي وسيلة لمعرفة مواقيت الصيام، ما يضطر الأسيرات للاعتماد على التقدير والاجتهاد في تحديد أوقات الإمساك والإفطار ، هكذا يتحول أداء الشعيرة الدينية إلى معركة يومية مع الوقت والقيود.

ففي وقت تجتمع فيه العائلات حول موائد عامرة، تُقدَّم للأسيرات وجبات باردة وبكميات محدودة، حيث تُعطى وجبتا الإفطار والسحور معًا، في مشهد يفتقر إلى الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية ، شوربة خفيفة بالكاد تُشبه الطعام، مياه غير نظيفة، كميات أرز محدودة، وحرمان من الفاكهة، فضلًا عن خضار متدنية الجودة ، كما أن أي اعتراض على رداءة الطعام قد يُواجَه بإجراءات عقابية إضافية، ما يجعل أبسط المطالب الإنسانية سببًا لمزيد من التضييق. وبهذا يتحول الغذاء من حق أساسي إلى أداة ضغط يومية.

فالأسيرات المريضات، خصوصًا من يعانين أمراضًا مزمنة، يواجهن إهمالًا طبيًا خطيرًاوممنهجاً، وتتحدث شهادات من داخل السجون عن تقديم أدوية موحدة لحالات مختلفة دون تشخيص متخصص أو متابعة دورية، وتأجيل متكرر للفحوصات والعلاجات ، وهذا الواقع لا يضاعف الألم فحسب، بل يهدد حياة بعض الأسيرات، خاصة في ظل ضعف التغذية والإجهاد النفسي ، كما إن الجمع بين الصيام والمرض وسوء الرعاية الطبية يشكل عبئًا مضاعفًا، ويحوّل الشهر الفضيل إلى فترة قاسية تتراكم فيها الأوجاع الجسدية والنفسية.

كما تعاني الأقسام النسوية من اكتظاظ واضح، وتهوية محدودة، وحرمان من الخصوصية فالتفتيشات المفاجئة، ومصادرة المقتنيات الشخصية، وتقليص مدة “الفورة” اليومية، كلها إجراءات تجعل الحياة داخل السجن دائرة مغلقة من الضغط المستمر، ومع كل إجراء جديد، تتسع فجوة الكرامة وتضيق مساحات الأمل.

إن ما تتعرض له الأسيرات يشكل خرقًا واضحًا لعدد من القواعد والاتفاقيات الدولية الملزمة، فـاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تنص على ضرورة معاملة المعتقلين معاملة إنسانية تحفظ كرامتهم، وتكفل لهم الرعاية الطبية المناسبة والغذاء الكافي ، كما تؤكد “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء” (قواعد نيلسون مانديلا) على حق السجناء في الحصول على طعام صحي وكافٍ، ورعاية طبية متخصصة، والتواصل مع العالم الخارجي، واحترام شعائرهم الدينية دون قيود تعسفية.

فحرمان الأسيرات من معرفة مواقيت الصيام، وسوء التغذية، والإهمال الطبي، ومنع الزيارات، كلها ممارسات تتعارض مع هذه المعايير، وترقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللاإنسانية وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان، ويترتب على ذلك مسؤولية قانونية وأخلاقية تستوجب تدخلًا عاجلًا من الجهات الدولية المختصة لضمان احترام الحد الأدنى من الحقوق المكفولة لهن ، ولا تنفصل معاناة الأسيرات عن معاناة أسرهن في الخارج ، فكل أسيرة تقف خلفها عائلة تعيش القلق والترقب، وأطفال ينتظرون مكالمة أو زيارة قد لا تأتي ، إن الألم هنا مزدوج؛ داخل الزنازين وخارجها، في مشهد يعكس امتداد الأثر الإنساني للاعتقال إلى النسيج الاجتماعي بأكمله.

وختاماً رغم كل ما يحيط بهن من قيود وإجراءات، تبقى الأسيرات الفلسطينيات شاهدات على قوة الإرادة الإنسانية في مواجهة القهر،غير أن الصمود، مهما كان عظيمًا، لا يجب أن يُستخدم ذريعة للصمت الدولي أو التراخي الحقوقي ، وإن حماية الأسيرات مسؤولية وطنية وإنسانية وقانونية، تتطلب تحركًا جادًا من المؤسسات الحقوقية والإنسانية الدولية، وفرض رقابة حقيقية على أوضاع السجون، وضمان احترام القوانين والمواثيق ذات الصلة. فكرامة الإنسان لا تُجزأ، وحقوقه لا تسقط خلف القضبان، ورمضان يجب أن يبقى شهر رحمة… لا موسمًا لتكريس الألم والمعاناة خلف القضبان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى