اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

عندما كانت المدينة تحلم معًا

فادي بدران

كان ثمّة وقتٌ لم تكن فيه بيروت تذهب إلى السينما لتشاهد فيلمًا فقط، بل لتجتمع. لتضحك بصوتٍ واحد. لتصمت بصوتٍ واحد. لتتنفس كجسدٍ واحد. قبل منصّات البث الرقمي، قبل صالات العرض داخل المجمّعات التجارية، قبل أن تصبح الشاشات شخصيّة ومحمولة، كانت دُور السينما كاتدرائيات للخيال المشترك. كانت تقف شامخة في الحمرا، في وسط البلد، في البسطة، في الأشرفية. أسماء مثل: “ريفولي”، “ستراند”، “إمباير”، وبخاصة “مسرح بيكاديللي”، لم تكن مجرّد صالات عرض. كانت طقوسًا يومية للمدينة. كانت موعدًا بين الغرباء.

أتخيّل الحمرا في ستينات القرن الماضي: أضواء “النيون” تتوهّج، ملصقات الأفلام المصريّة والعروض الأوروبية الأولى خلف الزجاج، الناس يرتدون أناقتهم لأمسية لا تشبه سواها. كانت بيروت تُسمّى “باريس الشرق الأوسط”، لكن داخل صالاتها كانت أيضًا القاهرة وروما وهوليوود. كانت المدينة تختصر العالم في شعاع ضوءٍ ينطلق من خلف الجمهور ليصنع عالمًا أمامه.

كانت السينما مساحة عامة حقيقية. الطلاب يجلسون إلى جانب العائلات. الأزواج يتبادلون همسات في ضوء خافت. الاختلافات السياسية تذوب لساعتَين تحت سحر الحكاية. للحظة، كان الجميع يواجه الشاشة نفسها. صورة واحدة. حكاية واحدة. ظلام واحد يجمعهم.

ثم جاءت الحرب وارتجفت الصورة

تضرّر العديد من الصالات خلال الحرب الأهلية. بعضها احترق. أخرى هُجرت مع تغيّر خطوط التماس واختفاء الجمهور. تلاشى البريق. انطفأت الواجهات. سكتت أجهزة العرض. وعندما عاد السلام، لم يعد كلّ شيء كما كان. أعادت الوقائع الاقتصادية تشكيل المدينة. حلّت المجمّعات التجارية الكبرى مكان الصالات المستقلة. كافحت دُور الشاشة الواحدة للبقاء، ثم بدأت تختفي بهدوء.

اليوم، المرور أمام واجهة “مسرح بيكاديللي” المغلقة في الحمرا، يشبه الوقوف أمام عملاق نائم. يتراكم الغبار حيث كانت الأضواء تسطع. المبنى ما زال قائمًا، لكنّ صمته ثقيل. ليس خرابًا دراميًا، بل توقف. وأحيانًا يكون التوقف أكثر قسوة من الانهيار.

ما اختفى لم يكن العمارة فقط، بل ثقافة التجربة الجماعية

كانت السينمات تعمل كمساحات مدنيّة غير رسمية. مهرجانات الأفلام كانت تثير النقاش. ازدهرت السينما العربية. قدّم صناع الأفلام اللبنانيون أعمالهم لجمهور محليّ متعطّش ليرى نفسه على الشاشة. لم تكن الصالة مكانًا للاستهلاك فقط؛ كانت مساحة للحوار، للاختلاف، للاعتراف. أما اليوم، فقد أصبح الترفيه أكثر فردية. الشاشات تضيء في عزلة، الخوارزميات حلّت محل شبابيك التذاكر، ولم تعد المدينة تجتمع كما كانت لتشاهد انعكاسها.

مع ذلك، الإمكانية ما زالت تتحرّك تحت السطح. ففي كلّ مرة تُفتح فيها صالة قديمة أمام مهرجان أو فعالية ثقافية، يحدث شيء لافت: يعود الناس. ليس بدافع الحنين فقط، بل بدافع الحاجة. حاجة إلى الظلام المشترك. إلى الضحكة المشتركة. إلى تلك اللحظة التي يتنفس فيها الغرباء معًا. هذه التجربة لا يمكن استنساخها رقميًا.

الحفاظ على دُور السينما في بيروت، ليس حماية مبانٍ قديمة فحسب، إنه استعادة وظيفة مدنية، يمكنها أن تصل بين أجيال عاشت بيروت بطرق مختلفة، لكنها ما زالت تبحث عن مساحة واحدة تجمعها.

أفكّر في معنى “الإسقاط”. السينما تُسقِط الصُّوَر على سطح أبيض. المدن تفعل الشيء نفسه، تُسقط طموحاتها على مبانيها، وعلى فضاءاتها العامة. عندما أُغلقت دُور السينما، خَفَتَ جزءٌ من صورة بيروت التي كانت تُسقطها على نفسها. لكن الصورة لم تنطفئ بالكامل.

إذا كان البيت التقليدي يرسّخ الحياة العائلية، و “ساحة الشهداء” ترسّخ الحياة السياسية، فإن السينمات كانت ترسّخ الحياة الثقافية. إحياؤها لن يمحوَ الماضي، لكنه سيُعيد الحركة إلى ذاكرةٍ جامدة، ويخيط استمراريةً بين ما كانت عليه بيروت وما يمكن أن تصبحه. لأن المدينة التي تحلم معًا، لا تزال قادرة أن تبني معًا.

باحث في الذاكرة الحضرية وتاريخ بيروت

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى