اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

على إيقاع جولات وإفطارات السفير البخاري: الشارع السني يحدد بوصلته… تحت كنف الدولة والتاريخ لا خلف دويلات وأشخاص

سامر زريق

ما كادت تبدأ مفاعيل زيارة الرئيس سعد الحريري في ذكرى 14 شباط بالذوبان السريع، حتى دب النشاط الجدي في الساحة السنية على وقع جولات وإفطارات السفير السعودي وليد البخاري، وعبقت برسائل سياسية حاسمة جددت من خلالها تحديد بوصلتها السياسية بوضوح، مؤكدة أنها تتموضع في المكان الصحيح في التاريخ تحت كنف الدولة ومشروعها وقيمها.

بالتزامن مع نفحات الشهر الكريم، جددت الساحة السنية التأكيد على أن السعودية كانت وستظل قبلتها الدينية والسياسية، وأنها لن تسمح لمن يحاول ارتداء لبوس عبد الملك بن مروان لتعظيم مكانة قبلة موازية خصوصًا أن الساحة السياسية ليس فيها من يشبه عبد الله بن الزبير، بل الكثير من أشباه عبد الرحمن بن ملجم وعبد الله بن وهب الراسبي ورهطهما، وأنها ترفض السير خلف شخصيات بدّدت رصيدها الكبير، وتحاول تسخير ما تبقى منه لإدخال السنة في تحالف مشبوه مع السلاح ودويلته التي أوشكت على الأفول.

من وحي رمزيات اليوم الوطني السعودي ودلالاته على مستوى تأسيس الدولة الوطنية وترسيخ قيمها، حفلت الأيام الثلاثة الماضية بالرسائل التي تشكل حائط صد متينًا للموجة الانقلابية التي قادها الرئيس سعد الحريري ضد السعودية وثوابت رفيق الحريري. بدءًا من الإفطار الذي أقامه السفير البخاري في دارته بـ “اليرزة” على شرف مفتي الجمهورية ومفتي المناطق للتأكيد على الدور المرجعي لـ “دار الفتوى” كمظلة وطنية وسنية جامعة وداعمة لمسيرة الدولة بمعزل عن شخوصها.

مرورًا بإفطار البخاري في ربوع عشائر العرب في دارة النائب محمد سليمان في عكار والذي فجّر حملة عنيفة قادها “تيار المستقبل” ضد سليمان الذي لم يحجّ إلى “بيت الوسط”، ومن خلفه عشائر العرب نتيجة رفضهم ابتزاز “حزب الله” وتوسّله تحويل أحمد الحريري إلى معبر إلزامي وحيد للإفراج عن المعتقلين في قضية أحداث “خلدة”، لاعتبار ذلك انقلابًا على هويتهم وتاريخهم وامتدادهم الديموغرافي. في موازاة إعلان أحمد هاشمية بما يمثل من ذراع تنموية ذات هوية حريرية أنه “ابن السعودية” ويلتزم خياراتها الاستراتيجية والسياسية في دعم وحدة القرار والسلاح بيد الدولة.

وانتهاء بجولة السفير البخاري الطرابلسية في إفطار بدار النائب أشرف ريفي حضره وجهاء طرابلس ونخبها ومدراء مؤسساتها الموقوفة عن العمل والإنتاج بسياسات سالفة تعمل “بعبدا” على هذا الأمر بالتنسيق مع “السراي الحكومي” لطيّه بشكل متدرج وموثوق رغم بطئه. وسحور أقامه النائب فيصل كرامي حضره سفراء ووزراء ونواب وساسة وقادة أجهزة أمنية حمل رسالة واضحة بارتصاف السنة خلف قيام الدولة. وما بينهما من صلاة في المسجد المنصوري الكبير أقبل فيها الطرابلسيون على إلقاء السلام على السفير البخاري محملين إياه آمالهم المعقودة على المملكة للخروج من الواقع الراهن بكل ما فيه من آلام وأحزان راكمتها حقب سابقة.

وبذا تكتمل قطع الصورة: في طرابلس التي يعزف البعض فيها لحنًا انفصاليًا حزينًا كردّ فعل على تهميش مزمن، اجتمعت الدولة ونخب المدينة وشعبها بمعية السعودية ورعايتها لإنتاج مشهدية تعبد الطريق أمام اندماج صلب يحفه عمل تنموي جدي يعيد لمعنى كينونة طرابلس “عاصمة ثانية” للبلاد معناه الفعلي.

خلال 3 أيام أنهت السعودية عبر سفيرها وليد البخاري آثار شهر من جولات شد العصب والخطاب التحريضي للحريري وحلفائه الجدد، وسحبت بساط القرار السني من تحت يديه. ليس معنى ذلك أن المملكة انصرفت عن شراكتها في إعادة صياغة قواعد النظام الإقليمي كلاعب لا يمكن تجاوزه، ونزلت بثقلها لمواجهة الحريري وانقلابه.

دول القرار لا تحارب أشخاصًا ولا منظومات صغيرة، ولا تدخل في تفاصيل تعني أصحابها فقط، بل تعمل على تثبيت معادلات وتوازنات في الساحات الفرعية تتولى تنفيذها دوائر سياسية ودبلوماسية، لدمجها ضمن سياسات واستراتيجيات كبرى عنوانها تثبيت الاستقرار ودعائم الدول الوطنية على حساب الدويلات ومشاريع التنظيمات المسلحة العابرة للجغرافيا.

موقف المملكة من الحريري كان سببه الأساسي تعاون الأخير مع “حزب الله” لتثبيت هيمنته والالتفاف على اتفاق الطائف. ومع سيرورته ورقة تتكامل مع ورقة أحمد العودة في الجنوب السوري وغيرها من الأوراق ضمن محفظة جهات إقليمية ودولية توظفها ضمن صراع النفوذ في المنطقة، تدخلت السعودية لإيقاف المد الانقلابي بشكل ناعم يمكن أن يتحول إلى شكل أكثر خشونة مع توالي المعلومات حول البحث في إدراج “تيار المستقبل” وقادته على لوائح الإرهاب في تقرير نشرته “MTV” ومجلة “الرسالة الإسلامية”، بل وحتى إصدار مذكرة توقيف دولية بحق الرئيس سعد الحريري نفسه.

ثمة الكثير من المعطيات الجدية التي تشير إلى تحول “المستقبل” لواجهة لتنظيمات مدرجة على لوائح الإرهاب من “حزب الله” إلى “حركة حماس”. أحدثها معلومات عن زيارة عمل لأحمد الحريري إلى دولة أفريقية تعد من قواعد النشاط المالي الحيوية لـ “الحزب”. هذا ليس تفصيلًا يمكن التساهل معه أبدًا، لذلك كان لا بد أن يعيد الشارع السني تحديد بوصلته منعًا لأي التباس قد يغلف بعاطفة سيالة ترتبط برفيق الحريري فقط.

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى