لبنان أمام موجة جرائم تهدد الشعور بالأمان

ندى عبد الرزاق
1. السرقات 35.7% والانتحار 17.2% والقتل 24%
2. التنسيق بين القوى الأمنيّة قد يُسهم في تعزيز الردع
3. فراغ تشريعي ونقص في الردع القانوني
4. المشكلات الاقتصاديّة والاجتماعية لا تُبرّر ارتكاب الجرائم
في قلب لبنان، تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع تدهور دلائل الأمن، لتشكل تحديا وجوديا لمفهوم الاستقرار الوطني. فالبلد الذي شهد انهيارا حادا في سعر الدولار، وانحدارا في منظومة التعليم، وتصاعدا في مستويات الفقر، يجد نفسه أمام موجة جرائم تهدد الشعور بالأمان لدى المواطن. من هنا، لا تمثل هذه المخالفات مجرد حوادث معزولة، بل تغيّر منسوب الثقة بالأجهزة الأمنية وتفرض على اللبنانيين، سواء داخل الوطن أو المغتربين، إعادة النظر في مفهوم الأمن الذاتي. ومع إعلان الحكومة الجديدة والأولويات الرئاسية بضرورة استعادة السيطرة الأمنية، يبقى السؤال قائما: كيف يمكن أن تُستعاد الثقة وتُؤمن الحماية على كامل الأراضي اللبنانية، في ظل هذه التحديات المركبة التي تلامس كل شريحة من المجتمع؟
تفاصيل مريبة!
وفي سياق متصل، أصدرت الدولية للمعلومات إحصاءات توثق واقع المؤشرات الأمنية في لبنان للعام 2025، مسجلة أرقاما وصفها التقرير بأنها من الأعلى خلال العقد الماضي. ووفقا للجداول التفصيلية ارتفعت جرائم القتل بنسبة 24%، بينما سجلت السرقات ارتفاعا بنسبة 35.7%. أما حالات الانتحار، التي فتحت الديار ملفها مؤخرا، فبلغت 17.2%، فيما تجاوزت حوادث السير 36%، مع تسجيل 17.6% من القتلى و44.4% من الجرحى نتيجة هذه الحوادث.
على جانب إيجابي، تراجعت سرقات السيارات بنسبة 59% مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يمثل ضوءا نسبيا، في ظل تصاعد سرقات الدراجات النارية التي ظلت مرتفعة بشكل مقلق. وفي ملف الخطف مقابل فدية مالية، بلغ معدل الجنح الموثقة 20%، إلا أن العديد من هذه الأفعال الجرمية لم تبلغ عنها القوى الأمنية، وتمت معالجتها داخليا بين أهالي الضحايا والخاطفين، ما يجعل الأرقام الحقيقية أكثر خطورة.
في جميع الأحوال، توضح هذه المعطيات حجم التحديات الأمنية في لبنان، وتبرز الفجوة بين الواقع الفعلي للأمن، والمستوى الذي يمكن للأجهزة الرسمية مواجهته، مؤكدة هشاشة الاستقرار المجتمعي أمام تصاعد المخالفات القانونية.
“الداخلية” ترفع الجاهزية
من جانبها، يعلق مصدر في وزارة الداخلية والبلديات لـ “الديار” على هذه الأرقام بالقول: “الوزارة تعمل على رفع جهوزية قطعات قوى الأمن الداخلي، وتعزيز الاستجابة والإجراءات اللازمة لضبط المخالفات، بما فيها مخالفات السيارات والدراجات النارية، لا سيما خلال فترة الأعياد، مع تطبيق خطط إعلامية لتوعية المواطنين بالإجراءات المعتمدة، لضمان السلامة العامة والحد من السرقات والحوادث على الطرق”.
في المقابل، يشدد مرجع أمني متقاعد على أن “تحسين التحليل الاستخباراتي للبيانات، وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة الطرق وإدارة حركة السير، يمكن أن يساهم بشكل ملموس في خفض معدلات الحوادث والسيطرة على الجرائم المرتبطة بالنقل والمواصلات”.
ويضيف المرجع: “أن تعزيز التنسيق بين القوى الأمنية، وزيادة دوريات المراقبة في المناطق الأكثر تأثرا بالجرائم، إلى جانب حملات توعية مجتمعية وتشجيع البلاغ عن المخالفات، يمكن أن يسهم في تعزيز الردع، وتحسين فعالية الاستجابة الفورية للأحداث الأمنية، ما يدعم جهود خفض الانفلات وتحقيق الأمن الشامل على الأراضي اللبنانية”.
علماً بأن الدولية للمعلومات نشرت هذه الأرقام، بالاستناد إلى مجلة الأمن الصادرة عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.
قراءة قانونية للمخاطر
على الصعيد التشريعي، تكشف المحامية ماريانا برو لـ “الديار” أن “تصاعد جرائم القتل والسرقات والانتحار ، يعكس فراغا تشريعيا ونقصا في الردع القانوني”، مؤكدة أن “الأرقام المرتفعة للعام 2025 تعكس ضعف العقوبات وتراخي الرقابة، ما يشجع على تكرار الجرائم ويقوض ثقة المواطنين بالأجهزة الأمنية”.
وتشدد على أن “معالجة الأزمة تتطلب تعزيز آليات العدالة الجنائية، وضبط تنفيذ القانون بشكل صارم، إلى جانب الحملات التوعوية للحد من الانحرافات”.
تداعيات التساهل الأمني
من جهة أخرى، تكشف الاختصاصية الاجتماعية والنفسانية غنوى يونس لـ “الديار” أن “تصاعد الجرائم يعكس تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وفقدان الثقة بالمؤسسات، ما يعزز السلوكيات الانحرافية والعنف الفردي والجماعي”، مؤكدة أنه بالرغم من جميع المحن، لا مبرر لأي إخلال بالأمن مهما تعددت الأسباب، فالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية لا تُبرّر ارتكاب الجرائم واقتراف الانتهاكات تحت مسميات فارغة”.



