اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

كارثة طرابلس: مؤشر على ذهنية لبنانية بشأن الدولة واللامركزية!

د. أنطوان مسرّه

إن انهيار أبنية في طرابلس ولائحة الضحايا ونمطية مقاربة الكارثة هي مؤشرات صارخة على مفاعيل ذهنية سياسية لبنانية في ما يتعلّق بالدولة واللامركزية! يحصل ذلك في زمن حيث يتبارى قانونيون – ولا نقول حقوقيين – في مبارزات حول اللامركزية الإدارية من دون الغوص في الفعاليّة والجدوى.

يستحق مجلس بلدية طرابلس التقدير في مبادرته إلى الاستقالة الجماعية. لا يعني ذلك أنه هو المسؤول المباشر عن الكارثة التي هي نتاج تراكمات وإهمالات وتقاعس وعدم جديّة و “معليشية” لبنانية سائدة. الاستقالة دعوة للعودة إلى قانون البلديات بالذات ومسؤولية البلديات وقانون البلديات الذي هو لامركزي في أكثر من 80 % من نصوصه.

ما معنى بلدية؟ ما معنى رئاسة بلدية! بعد الانتخابات البلدية الأخيرة، بعض رؤساء البلديات يتصرفون للوجاهة مع جهلهم معنى مصلحة عامة محلية. يتذمّرون من عدم توفر الأموال، في حين أن قضايا عديدة محلية تحتاج إلى جديّة وتعبئة القدرات والمشاركة والمبادرة أكثر ممّا تحتاج إلى تمويل! كارثة طرابلس هي مؤشر على ثلاث قضايا غائبة في ذهنية لبنانية وفي الممارسة المواطنية واللامركزية الإدارية:

1. اللامركزية: يتوجّه لبنانيون إلى الدولة والحكومة ووزير الداخلية بشأن كارثة طرابلس! إنهم يجهلون أساسًا ما معنى دولة. هل وظيفة رئيس الحكومة أو وزير الداخلية الكشف على أوضاع الأبنية في حاصبيا وزحله والهرمل وطرابلس…؟ يتوجّب مراجعة قانون البلديات، بخاصة المادة 74 في ما يتعلّق بالمباني المتداعية أو إصلاحها. إن كارثة طرابلس هي أساسًا المدخل لحمل قانونيين – ولا نقول حقوقيين – على إرفاق أي قانون لامركزية بدراسة جدوى تحدّد الشروط الملازمة للفعالية.

2. الحكمية المحلية والمشاركة المحلية: نظمت المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم في أكثر من خمسين بلدية في لبنان في السنوات 2002-2013 برنامج “الحكمية المحلية: مبادرة ومشاركة في الحياة العامة المحلية”. صدرت وقائعها التطبيقية في عدة أجزاء (أنطوان مسرّه، الحكمية المحلية…، المكتبة الشرقية).

3. المواطنية المحلية: تطلق بعض الجمعيات برامج بشأن المواطنية في لبنان انطلاقًا من أيديولوجيا سائدة في “فشة خلق” ضد “الدولة” والنقد والتذمّر والتشكي والمعارضة والمحاسبة، من دون التركيز على المبادرة والمشاركة في الشأن العام البلدي. يقول Nietzsche: “حيث أنت انقب بعمق”. هل سعت البلديات المتعاقبة في طرابلس إلى تطوّع مهندسين في طرابلس وطلاب من طرابلس يتابعون دراسة الهندسة المدنية والمعمارية في سبيل وضع كشف عام على حالة الأبنية فيها؟ هل تمّ تنظيم حملة إعلامية مع إعلاميين في طرابلس لنشر الوعي واعتماد الوقاية والمعالجة؟ هل تمّ تشجيع محسنين وأصحاب رأسمال في طرابلس على المشاركة في الترميم؟ كل ذلك يعتبره لبنانيون من مسؤولية الحكومة ووزير الداخلية! في مجالات أخرى، اقترحنا على رؤساء بلديات تطوّع طلّاب من أبناء البلدية يتابعون دراسة الاقتصاد وعلم الاجتماع والتربية والتنمية في سبيل وضع جردة بالحالة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية في البلدية.


ورد تكرارًا في مناظرات متلفزة ومقالات، التوجّه إلى “الدولة” واتهام “الدولة” بالتقاعس في كلّ ما يتعلّق بانهيار أبنية سكنية في طرابلس، في زمن يتبارى فيه لبنانيون في سجالات حول اللامركزية بدون مقاربة الواقع الثقافي والسلوكي اللبناني وعمق المعالجات.



عضو المجلس الدستوري، 2009-2019

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى