اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

ضريبة البنزين حاضرة على مائدة رمضان

رماح هاشم

مع بداية شهر رمضان، تتزيّن الموائد اللبنانية بالطبخ التقليديّ، وتظلّ بعض الأطباق مثل الفتوش، الحمص، اليخنة، والدجاج، من الأطباق الأساسية التي لا تخلو منها أيّ مائدة. لكن هذا العام، لم يعد تجهيز المائدة مهمّة بسيطة كما في السابق، بل أصبح اختبارًا للقدرة الشرائية للأسر في ظلّ الغلاء المُستمرّ وارتفاع أسعار المواد الغذائية.



ارتفاع كلفة الإنتاج والنقل والخدمات المرتبطة بالمحروقات جعل كلّ طبق على المائدة يحمل معه جزءًا من العبء الاقتصاديّ. فقد انعكس ارتفاع أسعار البنزين على أسعار الخضار والفواكه، وكذلك على اللحوم والدّواجن.

مع استمرار ارتفاع الأسعار، يجد المواطن نفسه مضطرًا للتخطيط أكثر من أيّ وقت مضى عند إعداد المائدة الرمضانية، وتقليل بعض المكوّنات أو تعديل الكميات لتتماشى مع الميزانية الشهرية. هذه التغيّرات جعلت كلّ طبق، حتى أبسطها مثل الفتوش، مؤشرًا حيًا على أثر السياسات الاقتصاديّة والضرائب على الحياة اليوميّة.



كلفة صحن الفتوش وبقيّة الوجبة

ووفق جدول نشرته الدولية للمعلومات استنادًا إلى مسح شمل 12 محلًا لبيع الخضار، بلغ متوسط الكلفة النظرية لتحضير طبق الفتوش لخمسة أشخاص 397,977 ليرة لبنانية بتاريخ 16 شباط 2026. وقد احتُسبت الكميات على الشكل الآتي: 300 غرام من البندورة، 200 غرام من الخيار، 100 غرام من البصل، نصف ربطة بقدونس ونصف ربطة نعنع، ربع ربطة فجل، جزء من ربطة بصل أخضر، ربع خسّة، 150 غرامًا من الفليفلة، 50 غرامًا من الثوم، 200 غرام من الحامض، 50 غرامًا من السماق، نحو 60 مل من زيت الزيتون، 200 غرام من الخبز، إضافة إلى الملح.

غير أن هذه الأرقام تمثل الحدّ الأدنى الحسابي. فالكلفة الفعلية قد ترتفع إلى ما بين 450 و 500 ألف ليرة، نظرًا إلى صعوبة شراء كميات مجزأة عمليًا، وفروقات الأسعار بين المناطق، ونوعية المنتجات، ونسبة الهدر الطبيعي.

وبحسب الأسعار الحالية في الأسواق، يُمكن تقدير كلفة صحن الفتوش لعائلة من 4 إلى 5 أشخاص بين 11 و 14 دولارًا، وتشمل المكوّنات التالية: خسّة: 2 دولار، كيلو البندورة: 1.5 دولار، كيلو خيار: 1.5 دولار، فجل وبصل أخضر: 1 دولار، باقة بقدونس + نعناع: 1 دولار، حامض : 1 دولار، خبز عربي للتحميص: 1 دولار، وزيت زيتون: 2–3 دولارات.

أمّا بقية الوجبة فتتضمّن: دجاجة متوسطة: 9–12 دولارًا، كيلو أرز: 2–3 دولارات، شوربة خضار أو عدس: 4–6 دولارات، وحلوى منزلية بسيطة: 6–10 دولارات.

وبذلك قد تصل كلفة وجبة رمضانية متكاملة لعائلة متوسطة إلى 30–40 دولارًا يوميًا، أي نحو 900–1200 دولار خلال الشهر الفضيل، وهو رقم يشكل ضغطًا واضحًا على معظم الأسر.



بين الأرقام والواقع اليوميّ

الأرقام قد تبدو جافة على الورق، لكنها في الواقع تعبّر عن تحوّل ملموس في نمط الاستهلاك داخل البيوت. فعندما ترتفع كلفة وجبة واحدة إلى ما بين 30 و 40 دولارًا يوميًا، لا يعود الأمر مجرّد مسألة حسابات، بل يصبح قرارًا يوميًا بالمفاضلة بين الكمية والجودة، وبين الحفاظ على التقاليد وتقليص المصاريف.

اقتصاديًا، هذا النوع من التضخم يُسمّى “التضخم المعيشي”، لأنه يطول السلع الأساسية التي لا يُمكن الاستغناء عنها بسهولة. ومع ارتفاع أسعار المحروقات وما يتبعها من زيادات في النقل والتخزين، تنتقل العدوى السعرية من حلقة إلى أخرى داخل السوق، إلى أن تستقر في نهاية المطاف على طاولة الأسرة. وهنا، لا تعود المسألة مرتبطة بتقلّبات ظرفية، بل بمسار اقتصاديّ يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية.



شهادات حية من السوق

وفق شهادة أحد باعة الخضار، فإنه “بعد زيادة البنزين، ارتفعت كلفة النقل حوالى 2–3 دولارات للصندوق الواحد” ويقول: “هالشي انعكس مباشرة على الخس والبندورة والفجل. حتى الخس صار محسوب. الزبائن صاروا يطلبون نص ربطة بدلًا من ربطة كاملة أو يقللوا الكميات”.

وتقول ربّة منزل: “قبل، كنا نحط كل شي بالفتوش، اليوم منخفف زيت الزيتون أو نلغي بعض المكوّنات. إذا حسبنا الدجاج والرز والحلو، منرجع نسأل: هل هالمائدة بعدها اقتصادية؟ صرنا نحسب كل شي بالدولار ونراقب كل زيادة صغيرة، وحتى صرنا نشتري بالحبة والحبتيْن الخضرا”.



التحليل الاقتصادي

إذًا، ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الأولية لا ينعكس فقط على كلفة النقل، بل يؤثرّ على سلسلة الإنتاج والتوزيع بأكملها. فمع كل زيادة في الوقود، ترتفع كلفة تشغيل المزارع، تكاليف التخزين في البرّادات، وكلفة النقل من المزرعة إلى السوق، ما يؤدي إلى تضخم أسعار المواد الغذائية الأساسية.

اقتصاديًا، يُظهر هذا التضخم غير المباشر كيف أن السياسات المالية والضرائب قد تتحوّل إلى ضغوط إضافية على القدرة الشرائية للأسر. بينما تتراوح تكلفة صحن الفتوش وحده بين 11 و 14 دولارًا، فإن باقي الأصناف تزيد كلفة الوجبة اليومية إلى نحو 30–40 دولارًا. هذه الأرقام تجعل الأسر ذات الدخل المحدود تواجه صعوبة في الحفاظ على مائدة متوازنة، ما يؤكد الحاجة إلى سياسات دعم إنتاجية محلية فعّالة وخطط تخفيف أثر التضخم على الغذاء.



الملاحظات الاقتصادية

في ما يلي بعض الملاحظات الاقتصادية:

أصبح كل طبق على المائدة مؤشرًا حيًا على التضخم وتآكل القدرة الشرائية.

ارتفاع أسعار المواد الأساسية يجعل الأسر تضطر لتقليل الكميات أو استبدال المكوّنات بجودة أقل.

الضغوط الاقتصادية لا تنحصر في رمضان فقط، بل تمتدّ إلى باقي أشهر السنة، ما يجعل السياسات الحكومية المتعلّقة بالضرائب والإنتاج المحلي حاسمة للأمن الغذائي.



تأثير ضريبة المحروقات

ووفق ذلك، فإن فرض ضريبة إضافية على البنزين وارتفاع أسعاره امتدّ تأثيره إلى كامل سلسلة الغذاء:

ارتفاع كلفة النقل من المزارع إلى الأسواق، زيادة كلفة البرّادات ومخازن التبريد، زيادة تكاليف الريّ والتسميد، وارتفاع تكلفة التوزيع بين المناطق.

وبالتالي، كلّ زيادة في الوقود تتحوّل مباشرة إلى ارتفاع أسعار السلع الغذائية، فتصبح كلّ وجبة على المائدة الرمضانية عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسر.

في المحصّلة، الغلاء المستمرّ وارتفاع أسعار المحروقات لم يعد يطول طبقًا واحدًا، بل امتدّ إلى كامل مائدة الأسرة اللبنانية، من الأطباق الرئيسية إلى الجانبية والحلويات. كل زيادة في تكلفة الإنتاج والنقل تنعكس مباشرة على القدرة الشرائية، لتجعل التحدّي الأكبر اليوم هو الحفاظ على تنوّع غذائي متوازن دون المساس بالميزانية المحدودة للأسر.

في ظلّ هذه الضغوط الاقتصادية، لا يقتصر الحلّ على ضبط الأسعار أو تخفيف الضريبة هنا أو هناك، بل يتطلّب سياسات شاملة تدعم الإنتاج المحلي، تحسّن سلاسل النقل والتوزيع، وتعزز قدرة الأسر على مواجهة التضخم. فالأمن الغذائي والأسرة المستقرة لا يتحققان إلّا من خلال توازن بين السياسات الحكومية والقدرة الشرائية الحقيقية للمواطنين.

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى