لبنان قد ينتظر طويلًا لاستيراد معامل إنتاج

رماح هاشم
في ظلّ سباق عالمي محموم على تأمين كل ميغاواط إضافي من الطاقة، تقف الدول أمام واقع جديد تفرضه طفرة غير مسبوقة في الطلب على توربينات الغاز، مدفوعة بثورة الذكاء الاصطناعي وتوسّع مراكز البيانات حول العالم. فالشركات الكبرى تحجز قدرات إنتاجية مسبقًا، وسلاسل التوريد تعمل عند حدودها القصوى، فيما تتحول الطاقة إلى عنصر تنافسي استراتيجي لا يقل أهمية عن التكنولوجيا نفسها.
يعاني لبنان من عجز مزمن في إنتاج الكهرباء واعتماد واسع على حلول مكلفة وموقتة، ويجد نفسه خارج هذا السباق العالمي أو في مراحله المتأخرة. وفي سوق مزدحمة تُعطى فيها الأولوية للدول ذات التمويل القوي والعقود الضخمة، يصبح أي تأخير لبناني في اتخاذ القرار أو تأمين التمويل مضاعف الكلفة، وقد يترجم عمليًا إلى سنوات إضافية من الأزمة بدل أن يكون بداية لمسار التعافي.
تشهد سوق توربينات الغاز العالمية طفرة غير مسبوقة في طلبيات الشراء، تقودها شركات تصنيع المعدات الأصلية الثلاث الكبرى: جنرال إلكتريك فيرنوفا (GE Vernova)، وسيمنس إنرجي (Siemens Energy)، وميتسوبيشي باور (Mitsubishi Power). فقد أعلنت هذه الشركات تسجيل تراكمات قياسية في الطلبات، في مؤشر واضح إلى دخول القطاع دورة نمو جديدة وأكثر تنوعًا، مدفوعة بالتحولات الرقمية والطلب المتزايد على الكهرباء حول العالم.
وفي هذا المجال تُشير الخبيرة في شؤون الطاقة المحامية كريستينا أبي حيدر لـ “نداء الوطن”، إلى أن “هذه الطفرة في الطلب، رغم دلالاتها الإيجابية للشركات المصنعة، بدأت تُلقي بظلالها على دول تعاني أصلًا من هشاشة في قطاع الطاقة، مثل قبرص ولبنان، حيث قد تتحول فترات الانتظار الطويلة إلى أزمات حقيقية في تطوير انتاج الطاقة”.
طلب قياسي
كشف الرئيس التنفيذي لشركة جنرال إلكتريك فيرنوفا، سكوت سترازيك، أن الشركة بنت خلال عام واحد نحو 20 غيغاواطًا من طلبات توربينات الغاز، أي ضعف العام السابق. كما ارتفع حجم المشروعات المتأخرة من 6 مليارات دولار قبل عامين إلى 20 مليار دولار حاليًا.
وتعمل الشركة على زيادة إنتاجها من 48 توربينًا سنويًا إلى ما بين 70 و80 توربينًا بحلول 2026، في ظل دورة طلب وصفها سترازيك بأنها “أكثر تنوعًا وانتشارًا جغرافيًا”.
إلا أن ارتفاع الطلب العالمي، خاصة من قبل الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، يعني عمليًا تمدّد فترات التسليم، وهو ما بدأت بعض الدول تشعر به بالفعل.
الذكاء الاصطناعي… محرّك خفي
تقول أبي حيدر: “يأتي هذا الضغط مدفوعًا بتوسع مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى طاقة مستقرة وعالية الكفاءة على مدار الساعة. هذا السباق لتأمين مصادر طاقة موثوقة دفع شركات التكنولوجيا ومشغلي مراكز البيانات إلى حجز قدرات توليد كبيرة مسبقًا، ما أدّى إلى ازدحام جداول التصنيع لدى كبار موردي التوربينات”.
ولعلّ ما يُشير إلى تعقيدات الوضع ما حذر منه إيلون ماسك من أن شبكات الكهرباء قد تصل إلى نقطة عجز خلال 30 إلى 36 شهرًا إذا لم تتوسّع قدرات التوليد بسرعة.
قبرص: التأخير يمتد إلى 2030
تُضيف أبي حيدر: “أنه في قبرص، أبلغت هيئة الكهرباء المجلس النيابي هناك أن التوربينات الجديدة لمحطة ديكليا – التي مُنحت لشركة سيمنس– قد لا تصل قبل عام 2030 بدلًا من منتصف 2028 كما كان مخططًا. يأتي هذا التأخير نتيجة الضغط الدولي على سلاسل التوريد، خاصة الطلب الأميركي المرتبط بمراكز البيانات. والخوف في قبرص ناتج من أنه مع إغلاق بعض الوحدات القديمة بحلول 2029 لأسباب بيئية وتقنية، قد تواجه البلاد فجوة في الإنتاج إذا لم يتم إيجاد حلول بديلة في الوقت المناسب”.
“إذا كانت قبرص تُواجه خطر فجوة مستقبلية، فإن لبنان يعيش أصلًا أزمة إنتاج حادة منذ سنوات، مع قدرة توليد متراجعة لا تلبي سوى جزء محدود من الطلب المحلي، ما يدفع المواطنين للاعتماد على مولدات خاصة مكلفة”، وفق ما تشير أبي حيدر.
وتؤكد أنه “في ظل الطلب العالمي القياسي على التوربينات، فإن أي خطة لبنانية لإعادة تأهيل المعامل القائمة أو إنشاء وحدات جديدة ستواجه تحديات إضافية، أبرزها:
فترات انتظار طويلة للتوريد قد تتراوح حاليًا بين 3 و4 سنوات في أفضل الحالات، استنادًا إلى ما حدث في قبرص.
أولوية التسليم للأسواق الكبرى ذات الملاءة المالية المرتفعة والعقود الضخمة.
محدودية القدرة التمويلية اللبنانية، ما قد يؤخر توقيع العقود أساسًا، وبالتالي تأخير بدء العدّ التنازلي للتسليم”.
ولفتت إلى أنه “إذا استمرت السوق العالمية في تسجيل طلبات قياسية خلال السنوات المقبلة، فقد تمتد فترات التسليم إلى ما بعد أربع سنوات، خصوصًا للدول ذات المخاطر المالية المرتفعة. وهذا يعني أن أي قرار لبناني متأخر اليوم قد يترجم عمليًا إلى دخول وحدات جديدة الخدمة بعد نهاية العقد الحالي”.
وتؤكد أبي حيدر في هذا المجال انه بالنسبة لدول مثل لبنان، التي تحتاج إلى زيادة سريعة في الإنتاج لتخفيف العجز المزمن، فإن “أي تأخير إضافي في إطلاق المناقصات أو تأمين التمويل قد يضاعف زمن الانتظار، ويجعل الحلول الموقتة المكلفة اقتصاديًا وبيئيًا مثل المولدات الخاصة، تستمر لفترة أطول مما هو متوقع”.
وتشير إلى أن “التطورات العالمية تُظهر أن عصر الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل سوق التكنولوجيا فحسب، بل يعيد رسم خريطة الطاقة أيضًا. وبينما تستفيد الشركات المصنعة من طفرة الطلب، تجد الدول الصغيرة أو ذات الأزمات الهيكلية نفسها أمام معادلة صعبة”.
بالنسبة للبنان، تختم أبي حيدر بالقول: “التحدي لم يعد تقنيًا فقط، بل زمنيًا وماليًا في آنٍ معًا، في سوق عالمية مزدحمة تتنافس فيها الحكومات والشركات العملاقة على كل ميغاواط جديد”.
في المحصلة، تكشف الطفرة العالمية في سوق توربينات الغاز أن أزمة الطاقة لم تعد مسألة محلية تُعالج بقرارات ظرفية، بل باتت جزءًا من معادلة دولية معقدة تتحكم بها القدرة التمويلية وسرعة اتخاذ القرار. وبينما تتسابق الدول الكبرى لتأمين احتياجاتها المستقبلية، تجد الدول التي تعاني هشاشة مالية وبنيوية نفسها أمام هامش ضيق للمناورة.
بالنسبة للبنان، التحدي اليوم ليس فقط في اختيار التكنولوجيا المناسبة أو تحديث المعامل، بل في القدرة على اللحاق بالوقت قبل أن تتكرّس فجوة جديدة في الإنتاج. فالتأخير في إطلاق المناقصات وتأمين التمويل قد يعني ببساطة البقاء خارج دورة الاستثمار الحالية، وبالتالي تمديد الأزمة لسنوات إضافية. وفي سوق عالمية تتنافس فيها الحكومات والشركات على كل قدرة توليد متاحة، يصبح الحسم السريع شرطًا أساسيًا لأي مسار إصلاحي جدي في قطاع الكهرباء.
نداء الوطن



