أستاذ القوة الذكية… رفيق الحريري و “بُردة النبي”

سامر زريق
21 عامًا من الغياب ولا يزال غياب رفيق الحريري موحشًا وموجعًا، بل ربما صار ألم الفجيعة أقوى وأمضى، وكأن الاغتيال حصل بالأمس. كُتب عنه الكثير وسيُكتب. فالعظماء لا يغيبون ولا يطوى ذكرهم. ورفيق الحريري واحدًا منهم. ينطبق عليه تعريف عباس العقاد للعظماء حيث تجتمع فيه صفات “فرط الإعجاب، وفرط الحقد، وجو من الأسرار والألغاز يحار فيه الواصفون”. لذلك تبقى الكتابة عنه مادة جذابة.
من بين ما كانه، وما نحتاجه بشدة راهنًا، وطنًا ودولةً وسنةً، كان أستاذًا في القوة الناعمة الذكية التي برع في توظيفها، والتوليف بين أدواتها لإنتاج مزيج يمكّنه من إحداث خرق في حصون الكراهية والنفور، والالتفاف بسلاسة على المعادلات الجامدة. يقول عالم السياسة جوزيف ناي، الذي كان أول من تناول مفهوم “القوة الناعمة” في مقالات ثم في كتاب عنها، أن القوة الناعمة هي “أن تكون جذابًا بالنسبة للآخرين، لا أن تضعهم بصفك بالإكراه واستخدام السلاح، أو بدفع الأموال”.
كلنا نعلم كم اقترنت سيرة رفيق الحريري بالمال، لكنه كان يرفض دومًا في مقابلاته هذه المقاربة. حقيقة ثمة العديد ممّن لديهم مثله وأكثر لكنهم لا يضاهون عُشر تأثيره. يمتاز عنهم أنه عرف كيف يحوّل المال إلى أداة ضمن التوليفة المركبة لبناء صورة جذابة، ليس عنه فقط، بل عن البلد. واللافت أن ظهور مفهوم “القوة الناعمة” مطلع التسعينات تزامن مع ظهوره على مسرح السياسة بشكل رسمي.
دخل رفيق الحريري حلبة معقدة، يحرسها بطّاش لا يعرف الرحمة اسمه حافظ الأسد، وعسسه من الاستخبارات. ومع ذلك، استطاع أن يحافظ على مناخ من الحريات والخطاب النقدي العالي السقف، بل وأسهم في تطويره. منذ هيمنته على المشهدية العامة حتى اغتياله، كان عرضة للحملات الدائمة، في السياسة والإعلام وعوالم الفنون، حتى شاع البحث عن شبيه له على خشبة المسارح. صيغت عنه الأغاني الساخرة، وارتبط جزء أساسي من لمعان نجم شربل خليل في برامج دارت حوله، وكذلك مسرحيات “الشونسونييه”.
لم يرتدِ رفيق الحريري “بردة النبي” ليسيّج نفسه بقداسة تحرّم تناوله، بل تعامل برحابة صدر، وبضحكات مجلجلة، وكان يحرص على حضور بعض المسرحيات، والإرشاد إلى الثغرات في تقليدهم لشخصه. فكان ذلك مدخلًا لتقليد باقي الشخصيات الذين جاروا الحريري. هذا التعامل الذكي كان جزءًا من القوة الناعمة التي أتاحت حيوية فنية وثقافية، وطفرة مسرحية وبرامجية، وفسحة نقدية مشهودة في الحيّز العام. حتى البطّاش حافظ الأسد تقبّلها طالما أن رفيق الحريري يتلقفها بصدره ولا تطوله، وعدّها أداة لتسويغ وصايته في الداخل والخارج.
بعد اغتياله انقلب الحال رأسًا على عقب غداة هيمنة “حزب الله” على الحيّز العام، ووضعه خطوطًا حمرًا أرست مناخًا من الأسطرة الدينية والتقديس الديكتاتوري لا نزال نعاني منه، ارتكز على المزج بين الرمزيات الدينية والعناصر المذهبية والاجتماعية والأمنية والسياسية. ولأن “الناس على دين ملوكهم”، انزاح الكل نحو هذه المناخ المحفوف بالقتل والتكفير والتهميش مع اختلاف الدرجات.
فالرئيس بري لولا الهاء لكان نبيًا، وميشال عون صار جبلًا وشمسًا، وجنبلاط رغم عشقه للسخرية صار فوق مستوى النقد والتقليد. حتى سعد الحريري تجاوز الخلفاء الأربعة واقترب من “بردة النبي”. كل ذلك لأن “حزب الله” تجاوز بالسيد نصر الله بعضًا من الأئمة وجعله موازيًا لـ “الحسين”.
كذلك الحال، عمل رفيق الحريري على تحويل لبنان إلى مركز لصناعة الإعلام في المنطقة، فأسس قناة “المستقبل” بمعايير تتجاوز الإطار المحلي، على صعيد الأخبار والبرامج. خبِر أهمية الصحف وتأثيرها منذ عمله في “دار الصياد”، فأصدر صحيفة “المستقبل” وجعلها مركز استقطاب لأقلام وعقول فذة، ولا سيما منظري اليسار التائهين بعد زوال الاتحاد السوفياتي، وكان ملحقها “نوافذ” منبرًا رائدًا لا ينسى أطلق العديد من الأفكار والمواهب.
كما حرص على دعم “النهار” و “السفير” لما يشكله كل منهما من مدرسة صحافية تتناقض مع الأخرى في المذهب الفكري، وتتكامل معها ضمن إطار تنافسي في إثراء صناعة الإعلام المكتوب على الصعيد العربي لا اللبناني فحسب. أما اليوم فالواقع يتحدث عن نفسه، حيث يحاول أشخاص معدودون بجهود فردية جبّارة حجز موقع على خريطة الإعلام العربي وسط منافسة غير متكافئة، لا بسبب ندرة الكفاءات، بل لغياب الاحتضان والدعم.
حسب بعض علماء السياسة، تشتمل “القوة الناعمة” بالإضافة إلى الثقافة والفن، والإعلام، على التعليم، ودور رفيق الحريري في هذا المجال كتب عنه الكثير، والقيم السياسية، وهذا بحث منفصل، والسياسة الخارجية، حيث كان يلقب بـ “وزير خارجية العرب”، ولا سيما حينما ادلهمت خطوب “11 أيلول”، فيما نكابد اليوم لإصلاح علاقتنا المضطربة معهم. وكذلك السياحة التي استخدم مزيجًا من الأدوات والعناصر لجعل لبنان واحة لها، ودبلوماسية الرياضة الشديدة التأثير.
وهنا لا بد من ذكر حادثة مهمة، حينما وظف رفيق الحريري رصيده من العلاقات لاستضافة “دورة الألعاب العربية 1997″، بهدف تطوير السياحة والرياضة، وبنيتهما التحتية، وتثبيت موقع لبنان الخارج من حرب طاحنة، وكان ذلك قبل تنظيم قطر كأس العام بأكثر من عقدين. آنذاك لوحت الكويت بالانسحاب اعتراضًا على مشاركة العراق، وتوقيف دعمها المالي للبطولة.
فكادت أن تنشب أزمة دبلوماسية مع صدام حسين الصعب المراس. غير أن رفيق الحريري استخدم القوة الناعمة لاحتواء الأزمة، عبر تنظيم مباراة بين منتخبي البلدين في كرة القدم، مسبوقة باستقبال مميز بدأ من المطار لم يألفه العراق المحاصر حينها، وجرى احتواء الأزمة. أما اليوم فقد تشردت فرقنا ومنتخبنا في دول سارت على نهج رفيق الحريري، لكننا نحن لم نسر عليه.
نداء الوطن



