اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

خطة الحكومة للمباني المهدَّدة بالسقوط: العِبرة بالتنفيذ

مايز عبيد

بعد سنوات من المماطلة التي خلّفت إزهاق أرواح ضحايا أبرياء، وضعت الحكومة يدها أخيرًا على ملف الأبنية القديمة والمتصدّعة في طرابلس.

خطة الحكومة كما أُعلن عنها، تعتمد على هدم بعض المباني الخطرة، وترميم أخرى، وتأمين بدائل سكنية للعائلات المتضررة. وتعود مأساة الأبنية الآيلة للسقوط إلى الواجهة مع كل انهيار جديد، لتكشف حجم الإهمال المزمن وتراكم الأخطاء في إدارة واحد من أخطر الملفات السكنية في المدينة. بين خطط رسمية تُعلن عند وقوع الكارثة، وإجراءات متأخرة غالبًا ما تُتخذ تحت ضغط الصدمة، يبقى المواطن الحلقة الأضعف، محاصرًا بين خطر الانهيار وغياب البدائل.

تفنيد خطة الحكومة

يلفت البروفيسور المهندس خالد تدمري، أستاذ العمارة والتخطيط المدني في الجامعة اللبنانية وعضو سابق في مجلس بلدية طرابلس، في حديث لـ”نداء الوطن”، إلى أن الخطة الحكومية لمعالجة ملف الأبنية الآيلة للسقوط في طرابلس، تبدو مسؤولة في الشكل، من حيث توزيع المهام على عدد من الوزارات، غير أن غياب دور واضح لكل من وزارة المهجّرين ووزارة الشؤون الاجتماعية يشكّل ثغرة أساسية، إذ إن الملف لا يقتصر على البُعد الهندسي بل يتقاطع مباشرة مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي للسكان.

فبحسب تدمري ثمة جزء كبير من قاطني هذه الأبنية، هم من نازحي الأرياف إلى المدينة، بحثًا عن لقمة العيش، إضافةً إلى أبناء المدينة من ذوي الدخل المحدود، ما يستدعي مسحًا اجتماعيًا شاملًا يحدّد أوضاع الأسر واحتياجاتها، ويفتح نقاشًا جديًا حول إمكان تخفيف الكثافة السكانية في المناطق الأكثر هشاشة.

واعتبر أن “أي سياسة إنمائية فعلية في القرى والمناطق النائية، عبر دعم الزراعة وتأمين فرص العمل والخدمات الأساسية، من شأنها تنمية تلك المناطق من ناحية وتخفيف الضغط السكني عن طرابلس وإعادة التوازن التنموي بين المدينة ومحيطها من ناحية أخرى”. ولفت إلى أن “الوقائع المؤلمة التي شهدتها المدينة أظهرت أن البعد الاجتماعي لا يقل خطورة عن البعد الهندسي، إذ اضطرت عائلات العودة إلى مبانٍ مهدّدة بالانهيار لعدم توافر بدائل إيواء وافرة وكافية”.

على المستوى التقني، يشدّد تدمري على أن “الكشف الدقيق على الأبنية يجب أن يكون مرفقًا باختبارات علمية لمواد البناء واستخدام أجهزة قياس متطورة، لأن المعاينة البصرية وحدها لا تكفي لتحديد درجة الخطورة الفعلية”. وأوضح أن “التغيرات الفيزيائية الناتجة عن ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة بين الفصول تؤثر مباشرة في السلامة الإنشائية للمباني، ما يعني أن الخطر لا يقتصر على فترة فصل الشتاء وهطول الأمطار بل يمتدّ إلى ما بعدها”. ويرى أن “سقوط مبنيين أخيرًا في القبة وباب التبانة من دون إدراجهما ضمن لوائح الأبنية الأكثر خطرًا يثبّت قصور آليات التقييم السابقة وخطورة الاعتماد على التقدير العيني فقط، داعيًا إلى تشكيل فرق هندسية متكاملة ومجهّزة تعمل ضمن غرفة عمليات موحّدة قادرة على إنجاز المسح بسرعة ودقة”.



دور البلدية

ولم يُعفِ تدمري بلدية طرابلس من المسؤولية، مشيرًا إلى أن “آخر مسح بلدي جدي يعود إلى ما بعد هزات شباط 2023 من دون تحديث فعلي لاحق، رغم مرور فترة الصيف التي كان يمكن استثمارها لتفادي الكوارث”. ولفت إلى “أننا سنشهد كالمعتاد تجاذبات وتدخلات في مناقصات وملفات تلزيم مشاريع دعم الأبنية أو هدم الخطرة منها أو إعادة البناء والخشية دائمًا من تدخل المحسوبيات والسمسرات، وخير مثال ما نشهده من خلاف قائم بين البلدية نفسها والمتعهد الذي التزم ترميم مبناها بعد تجاوزه مهلة الثمانية أشهر من دون إحراز تقدم في المشروع، ما يعكس ضعف التنسيق وسوء إدارة العقود، ويثير الشكوك حول القدرة على تنفيذ مشاريع أوسع وأكثر تقعيدًا وحساسية”.



هل تنجح خطة التدعيم؟

يحذر تدمري من أن “تدعيم المباني، مهما اتسع نطاقه، يبقى حلًا موقتًا، خصوصًا أن الأبنية التي يتجاوز عمرها ستين وسبعين عامًا باتت شديدة الحساسية، والمعروف في بلادنا هو تدخل الدولة لمرة واحدة والانكفاء بعدها، فالتدعيم الإنشائي لتلك المباني المتهالكة سيتطلب صيانة سنوية ومراقبة دورية دائمة لها، لأنها أنُهِكت وتجاوزت عمرها الإفتراضي لبقائها، والحل الجذري يكمن في قرارات شجاعة تؤخذ باتجاه هدم تلك المحلات بأكملها التي تضم أكبر عدد من المباني غير الصالحة، كما حصل عند تشييد “مجمّع الحريري السكني في القبة” مطلع التسعينات، وإعادة البناء وفق معايير متطورة باستعمال مركبات الباطون المسلح الحديث والتي تضمن أيضًا سرعة التنفيذ، وذلك ضمن مشاريع إسكان متكاملة تشمل إعادة تخطيط البنية التحتية وتأمين سكن بديل ولحظ المساحات الخضراء، تفاديًا لتحويل المعالجة إلى ترقيع مكلف يؤجّل كارثة جديدة مع اهتزازات أرضية متوقعة في المنطقة، بدل حماية الأرواح وصرف الأموال في غير مكانها كما سبق، وفَعل مجلس الإنماء والإعمار عندما صرف 22 مليون دولار لمشروع سقف جزء من مجرى نهر أبو علي ليخصص بعدها للبسطات، ومشروع طلاء واجهات أبنية ضهر المغر التي تنهار اليوم، لأن ما قام به المجلس كان مجرد عملية تجميل خارجية لم تلتفت إلى خطورة الوضع الإنشائي الذي كانت تعانيه تلك المباني واكتفى “بالمكياج” الخارجي لها”.

خطة الحكومة لم تلحظ المباني الأخرى الواقعة خارج نطاق المدينة، لا سيما في مناطق الميناء وحي التنك والبداوي وغيرها؛ وهذه مناطق تضم مباني كثيرة مهددة بالانهيار، ما يجعل طرابلس بحاجة إلى مشروع إعادة إعمار متكامل، أشبه بمشروع سوليدير لإعادة إعمار وسط بيروت بعد الحرب، بفريق عمل كبير ومجهّز لإنجاز مثل هذا النوع من الإعمار.

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى