انهيار اقتصادي وتخصّصات «بالية»… وسطوة الـ AI 80%: من خرّيجي لبنان إلى البطالة سنوياً

زينب حمود
في السنوات الخمس المقبلة، ستولد آلاف الوظائف الجديدة بفعل الذكاء الاصطناعي والتطوّر التكنولوجي، من تحليل البيانات إلى الأمن السيبراني وتصميم الخوارزميات، لتصبح هذه الاختصاصات العمود الفقري للاقتصاد العالمي. هذا التحوّل لم يعد ترفاً بل ضرورة اقتصادية تفرض على الدول إعادة صياغة مناهجها التعليمية لتزويد طلابها بمهارات المستقبل. في لبنان، ورغم محاولات الجامعات تحديث برامجها وإنشاء حاضنات أعمال ومختبرات ابتكار، فإنها لا تواكب بالسرعة المطلوبة التحوّلات التي تعيد تشكيل سوق العمل، ومتخرّجوها يواجهون سوقاً مُغلقة لا تستوعب سوى 20% منهم. هذه المفارقة تكشف مأزقاً عميقاً: محاولات التحديث موجودة، لكنها غير كافية لتغيير واقع جامد يهدّد الطلاب بالتهميش في اقتصاد عالمي سريع التحوّل
«20% فقط من الخرّيجين في لبنان يجدون فرص عمل، بينما يقع 80% سنوياً في مصيدة البطالة، والبطالة المُقنّعة (فرص عمل في الظل وخارج نطاق تخصّصهم)»، بحسب المدير العام للمركز الإسلامي للتوجيه والتعليم، علي زلزلة. بعد الانهيار الاقتصادي، لم يعد أحد يبحث عن تفسير آخر للبطالة التي تفشّت كالنار في الهشيم، خارج إطار «ما في أشغال بهالبلد المفلس، المؤسسات عم تسكّر وتزعّب اللي عندها، كل الوظائف بالهوا سوا مش ماشية».
وفعلاً هناك وظائف باتت «مش ماشية» في لبنان، كما في مختلف أنحاء العالم، لكن ليس لأسباب اقتصادية فقط، بل نتيجة اتّساع الفجوة بين الكفاءات الموجودة من جهة، وما يطلبه سوق العمل العالمي الجديد ويوفّره سوق العمل اللبناني من جهة ثانية.
طفرة خرّيجين في تخصّصات «بالية» تُلقَّن بطريقة كلاسيكية، وتضيّع أوقات الطلاب ومستقبلهم على مهارات صار يتقنها الذكاء الاصطناعي وينجزها بـ«كبسة زر»، بينما تخصّصات «العصر» لم تصل إلى الجامعات في لبنان بالقدر المطلوب بعد. هذا «التأخّر» تقابله تطوّرات تكنولوجية ورقمية متسارعة، فبحلول عام 2030 مثلاً، يتوقّع تقرير لمنتدى الاقتصاد العالمي صدر في العام الماضي بعنوان: «مستقبل الوظائف»، انزياح 92 مليون وظيفة من المشهد وظهور 170 مليون وظيفة جديدة، أي بمعدّل نمو وظيفي يقارب 7% (78 مليون وظيفة).
لكنها لن تكون جميعها من نصيب البشر، لأن 60% من أصحاب العمل يتوقّعون أن يُستبدل العنصر البشري بالرقمنة والذكاء الاصطناعي في قطاعات مختلفة في السنوات الخمس المقبلة.
اتجاهات الوظائف عالمياً
ما سبق يطرح ضرورة إعادة تشكيل الوظائف والمهارات وفق المتغيّرات الحاصلة. على أن «المحرّك الرئيسي» الذي يؤثّر في سوق العمل العالمي اليوم، وفق تقرير «مستقبل الوظائف»، هو التغيّر التكنولوجي وأثر الذكاء الاصطناعي، وما أفرزه من تقنيات متقدّمة، ومعالجة البيانات والروبوتات، وحلول الرقمنة، ويتطلّب هذا الاتجاه ثلاث مهارات أساسية، هي: الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، الشبكات والأمن السيبراني، ومحو الأمية التكنولوجية.
عملياً، يرى التقرير أن الأدوار المتعلّقة بالتكنولوجيا (اختصاصيو البيانات، مهندسو التكنولوجيا المالية، اختصاصيو الذكاء الاصطناعي، التعليم الآلي ومطوّرو البرمجيات والتطبيقات)، ستمرّ بنمو هو الأسرع بين الأعمال الأخرى.
يُتوقّع اختفاء 92 مليون وظيفة وظهور 170 مليون وظيفة جديدة في عام 2030
عدا التغيّر التكنولوجي، هناك عوامل أخرى مؤثّرة أيضاً في خريطة الوظائف المطلوبة مستقبلاً، أحدها التباطؤ في النمو الاقتصادي، الذي «سيؤدّي إلى إزاحة 1.6 مليون وظيفة، كما سيتطلّب تفكيراً إبداعياً ومرونة أكبر في الوظائف الباقية».
للتغيّر المناخي أثره أيضاً على مستقبل الوظائف، لجهة التحوّل الأخضر، والحاجة إلى أدوار جديدة (مهندسو الطاقة المتجدّدة ومهندسو البيئة والمتخصّصون في المركبات الكهربائية والمستقلّة)، و«سيكون الإشراف البيئي مهارة أساسية من بين أهم 10 مهارات مطلوبة».
ويُضاف كذلك التحوّل الديمغرافي على صعيد شيخوخة السكان في سوق العمل وتناقص النمو السكاني الذي سيتطلّب وظائف خاصة كالرعاية الصحية (التمريض مثلاً) والتعليم كذلك، وهي وظائف «ستصمد» مهما مرّت «عواصف»، كما «ستصمد وظائف أخرى في الزراعة، البناء، سائقي التوصيل (الدليفري)، ومندوبي المبيعات وتجهيز الأغذية».
في المقابل، «سيتراجع الطلب على وظائف الشؤون الإدارية والسكرتاريا، الصرّافين، كتبة التذاكر، المساعدين الإداريين، الأمناء التنفيذيين وكتبة إدخال البيانات». وأخيراً، يربط التقرير بين التغيّرات الجغرافية والاقتصادية والتوتّرات السياسية وزيادة الطلب على أعمال تتعلّق بالأمن عموماً والسيبراني خصوصاً. لكن، أمام هذا المستقبل «الموعود» تقف الفجوة في المهارات المطلوبة عائقاً لدى 63% من أصحاب العمل، بحسب التقرير عينه.
هل يُلغي الـ AI الإنسان؟
يرفض زلزلة الحديث عن مجالات تخصّصية ستُدفن و«تُشطب من السجلّات»، ويتحدّث عوضاً عن ذلك عن «إعادة تشكيل التخصّصات، مثلاً ستندثر المحاسبة السطحية لصالح التحليل المالي، والبرمجة النوعية ستحلّ مكان البرمجة السطحية». من جهة ثانية، ستولد تخصّصات من رحم تطوير الذكاء الاصطناعي، من بينها «مهندس الأوامر للذكاء الاصطناعي، علوم البيانات والروبوتات».
وعن إلغاء الذكاء الاصطناعي دور الذكاء البشري، يتساءل: «هل يمكن أن تحلّ الآلة محلّ التفاعلات البشرية في العملية التعليمية؟»، ثم يجيب أن «جميع التخصّصات ستوظّف تقنيات الذكاء الاصطناعي بطريقة أو بأخرى، لكن الأخير سيغيّر دور الإنسان من دون أن يمحوه». ويعطي مثلاً: «المهندس المعماري لن يصمّم المباني بيده، لكن لا بدّ من وجوده لاختيار التصاميم التي يصنعها الـ AI مع مراعاة المعايير الإنسانية»، مؤكّداً أن «الإنسان سيبقى ليحرّك الذكاء الاصطناعي، لذا يجب أن يتعلّم كيف يخاطبه (الذكاء الاصطناعي) ليأخذ أفضل النتائج، وفهم هذه النتائج وتوظيفها والخروج من فكرة التعلّم السلبي (استقبال المعلومات والتلقين) إلى الابتكار، والتفكير النقدي».
في لبنان…
أين هو لبنان من كل هذه التوقّعات المستقبلية لمصير الوظائف؟ هل يراعي متطلّبات السوق الجديد قبل تخريج دفعات جديدة إلى «سوق اللاعمل»؟ هل تُحدِّث الجامعات مناهجها وموادها؟ وهل تستعين بأدوات وتقنيات متطوّرة؟
على صعيد الجامعات، يجد زلزلة أن «بعضها يعيد النظر في تخصّصاته ويقوم بـ«جردة»، لكن في فترات زمنية متباعدة، بينما التطوّرات الحاصلة أسرع بكثير». ويقسّم الجامعات إلى ثلاث فئات: «فئة أدخلت موادّ الـ AI في المناهج أو كمراحل ماجستير وأنشأت مراكز متخصّصة، وأخرى دمجت التخصّصات، وثالثة ضائعة وتتفرّج على أفول ما تقدّمه». ويلفت إلى أن «المشكلة أكبر من إرادة التغيير، وترتبط بعدم توفّر البنى التحتية المتطوّرة في الجامعات اللازمة للصناعة الرقمية والتعليم الرقمي».
من جهتها، ترخّص مديرية التعليم العالي في وزارة التربية، للكليات التي «تفرّخ» بغياب دراسة للتخصّصات التي لا تزال مطلوبة. ويروي زلزلة في هذا السياق «كيف تحمّست الجامعة اللبنانية وفتحت تخصّص هندسة البترول بالتزامن مع طرح ملف التنقيب عن النفط والغاز قبل سنوات، ورغم أننا لا نزال بعيدين عن التنقيب – ولو فعلنا، لن نحتاج إلى الكمّ الكبير من المهندسين – لا يزال التخصّص مفتوحاً متسبّباً بآلاف العاطلين عن العمل».
أمّا وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي فـ«على غير موجة»، وهي بحسب زلزلة، «تنتهج سياسة انتقائية في وضع البروتوكولات ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي مع بعض الجامعات، من دون أن تضع رؤية شاملة للقطاع التعليمي».
علوم الحاسوب: هجمة «غير مدروسة»
غياب التوجيه أدّى إلى هجمة طالبيّة على تخصّصات ظاهرياً تبشّر بـ«وظيفة العمر»، مثل علم الحاسوب (Computer Science) الذي يتوجّه الطلاب إليه «بشكل غير مدروس، لأن السوق لا يستوعب هذا الكمّ من الخرّيجين (غير المؤهّلين أصلاً للعمل مباشرة) ويحتاج أكثر إلى تخصّصات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي». كذلك يتوجّه الطلاب إلى تخصّصات هي فعلاً «عصرية» ومطلوبة، لكن من دون مراعاة شروط اختيار التخصّص الجامعي التي لا تتوقّف عند توفّر فرص العمل، وتتعدّاها إلى توفّر الرغبة الشخصية والقدرات والإمكانات.
طبعاً، ليس التطوّر التكنولوجي وحده الذي يحدّد مصير الوظائف في لبنان. فهناك عوامل محلية أخرى مؤثّرة أيضاً، خصوصاً على صعيد النمو الاقتصادي وتوجّهات السوق المحلية. مع العلم أنه لدى مناقشة الاتجاهات العالمية للوظائف المطلوبة مستقبلاً وإسقاطها في بلد متأخّر آلاف السنوات الضوئية تكنولوجياً مثل لبنان، يجدر سؤال المعنيين في تطوير المناهج ودراسة متطلّبات السوق إن كانت الوظائف المطلوبة عالمياً «تمشي» في لبنان، والجدوى من إعداد طاقات «متطوّرة» قبل توفير سوق عمل حاضن يجاري التطوّر، غير تصدير الأدمغة والطاقات البشرية إلى الخارج.
الأخبار



