اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

الفقر يُعيد رسم الخارطة الاجتماعية

رماح هاشم

يُشكّل الفقر في لبنان اليوم أحد أخطر التحديات الاجتماعية والاقتصادية، بعدما تجاوز كونه ظاهرة مرتبطة بالدخل ليُصبح عاملًا ضاغطًا يطول مختلف جوانب الحياة المعيشية. ففي ظل الانهيار الاقتصادي المستمرّ منذ عام 2019، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم، تتسع دائرة الفئات المتضرّرة، فيما تزداد الحاجة إلى مقاربة دقيقة وواقعية تعكس حجم الأزمة على الأرض.



أظهرت الأرقام الصادرة عن آخر مسح علمي أُجري في أواخر عام 2023، وفق ما أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد، أن “نحو 35 في المئة من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر”. وأشارت السيّد إلى أن “هذا ليس مؤشرًا جيّدًا للبنان، لذا، تعمل الوزارة على تكثيف الجهود لتقليص نسبة الفقر عبر برنامج أمان والادماج الاقتصادي وبرامج التنمية المحلية”.

وفي الإطار، اعتبر أستاذ الاقتصاد في الجامعة اللبنانية جاسم عجاقة، أن “هذا الرقم مُتحفظ ولا يعكس الواقع الفعلي على الأرض”.

بالتوازي، يُقدّم عجاقة قراءة تحليلية أوسع للواقع الاجتماعي، مُستندًا إلى معايير دولية صادرة عن البنك الدولي والإسكوا، تضع مسألة الفقر ضمن إطارها المتعدّد الأبعاد. قراءة تُسلّط الضوء على التحوّلات العميقة التي أصابت البنية الاجتماعية، وعلى حجم الضغوط التي تُواجه الطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة، في ظل سياسات اقتصادية واجتماعية ما زالت عاجزة عن احتواء تداعيات الانهيار.



تعديل تعريف الفقر

أوضح عجاقة لـ “نداءالوطن”، أنه “عند اعتماد الإحصاءات الصادرة عن البنك الدولي والإسكوا، يتبيّن أن أكثر من 80 % من اللبنانيين يعيشون تحت خط الفقر عند اعتماد مفهوم الفقر متعدّد الأبعاد، وهو مفهوم لا يقتصر على الدخل المالي فقط، بل يشمل أيضًا القدرة على الحصول على الرعاية الصحية، والتعليم، والخدمات العامة الأساسية، ما يجعل الرقم الرسمي بعيدًا من حقيقة الأوضاع المعيشية”.

كما أشار إلى أن “البنك الدولي، وبعد جائحة كوفيد-19، عدّل تعريفه للفقر المدقع، فرفع الحد الأدنى من 1.89 دولار إلى 2.15 دولار للفرد في اليوم”. لافتًا إلى أن “أي شخص يعيش بأقل من هذا المبلغ يُعد في حالة فقر مدقع وغير قادر على تأمين احتياجاته الغذائية الأساسية، في حين يُعتبر من يعيش بأقل من 6.85 دولارات يوميًا ضمن الفئة الفقيرة، بينما يُصنف من يتجاوز هذا الحد ضمن الطبقة الوسطى”.

وأكد عجاقة أن “الواقع اللبناني أظهر تأثيرًا كبيرًا لانهيار العملة وارتفاع معدلات التضخم، لا سيما على الطبقة الوسطى، حيث فقدت الأجور والمعاشات قيمتها الفعلية”.

ورأى أن “القرارات الحكومية المتخذة للحد من الغلاء لم تنجح في كبح ارتفاع الأسعار، ما زاد من الضغط على الفئات المتوسطة والفقيرة”.



الفئات الأكثر تضرّرًا

بالنسبة الى تحديد الفئات الأكثر تضررًا، أشار إلى أن “الموظفين في القطاع العام، من عسكريين وأساتذة وموظفي إدارات عامة، شهدوا تراجعًا حادًا في قدرتهم الشرائية، كما لفت إلى أن “العمال في القطاع الخاص، ولا سيما العاملين بالمياومة أو الأسبوعي، باتوا من أكثر الفئات هشاشة بسبب غياب أي حماية اجتماعية، ما جعلهم عرضة للفقر المدقع مع أي أزمة”.

واعتبر أن “الطبقة الوسطى كانت من أكثر المتضررين، إذ انزلق جزء كبير منها إلى دائرة الفقر”.

وخَلُص إلى أن “الضربة الأكبر أصابت الطبقة الوسطى والفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا، مع توسّع واضح في حجم الطبقة الفقيرة، مؤكدًا أن الأرقام الرسمية لم تعد تعبّر بدقة عن الواقع المعيشي في لبنان”.



السياسات الحكومية ومكافحة الفقر

أوضح عجاقة أن “لبنان لم يشهد، على مدى سنوات طويلة، سياسات فعّالة ومستدامة لمكافحة الفقر”، مُشيرًا إلى أن “أي انخفاض سابق في نسب الفقر إلى مستويات تراوح بين 25 % و30 % كان نتيجة المساعدات الخارجية وتحويلات المغتربين، لا نتيجة برامج وطنية منهجية”.

واعتبر أن “الأزمة الاقتصادية التي بدأت عام 2019 كشفت فشل السياسات المالية والنقدية المتبعة، بل وأسهمت في تفاقم الأوضاع، نتيجة التضخم الحاد، وانهيار العملة، وتراجع الخدمات الأساسية وفي مقدّمها الكهرباء”.

وأشار عجاقة إلى “وجود هدر مزمن في قطاعات عامة أساسية كالكهرباء والاتصالات والمرافئ، إضافة إلى تسهيل عمليات التهريب، ما جرى على حساب التنمية والاستثمار. كما شدّد على أن “الصراعات الإقليمية والانغماس فيها حالت دون جذب الاستثمارات اللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي”.

ورأى أن “السياسات المالية قبل الأزمة كانت غائبة فعليًا، في حين جاءت السياسات بعد الأزمة كارثية في إدارة الانهيار”، مُعتبرًا أن “السياسات النقدية، ولا سيما العجز عن ضبط سعر الصرف وتهريب العملات والسلع، فاقمت معاناة المواطنين ووسّعت دائرة الفقر”.



الوضع الحالي للسياسات الاجتماعية

أوضح عجاقة أن “لبنان يفتقر منذ البداية إلى سياسات اجتماعية فعلية”، مشيرًا إلى أن “موازنات وزارة الشؤون الاجتماعية تعكس هذا الغياب”، مضيفًا أن “محاولات الحكومة خلال الأزمة زيادة المساعدات الاجتماعية والأجور كانت موقتة ومحدودة الأثر”.

وأشار إلى أن “الوزارة لا تمتلك الميزانيات الكافية، ولا الموارد البشرية، ولا الإحصاءات الدقيقة لتنفيذ برامج اجتماعية فعّالة، ما دفعها للاعتماد بشكل أساسي على الهبات والقروض الخارجية، ولا سيما من البنك الدولي”.

كما لفت إلى أن “نقص الإمكانيات أدّى إلى قصور في التوزيع، وغياب بيانات دقيقة عن الفقر وتوزيعه الجغرافي، خصوصًا بعد التطورات الديموغرافية في عامي 2023 و2024″، معتبرًا أن “البرامج الاجتماعية الحالية تساهم جزئيًا في التخفيف من آثار الأزمة لكنها لا تشكّل إدارة حقيقية للفقر”.



تداعيات اقتصادية واجتماعية

عن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للفقر، يلفت عجاقة إلى أن “عدم تلبية الحاجات الأساسية يؤدي مباشرة إلى انخفاض الاستهلاك، ما ينعكس سلبًا على الشركات التي تضطر إلى تقليص العمالة أو الإقفال، وهو ما يزيد من معدلات الفقر.

وشدّد على أن “الفقر لا يؤثر على الاقتصاد فقط، بل يهدد الاستقرار الاجتماعي، لافتًا إلى ارتباطه بارتفاع معدلات الجريمة”. واستشهد بقول ابن خلدون: “عندما تفقر الشعوب، تسوء أخلاقها”، للدلالة على الأثر الاجتماعي العميق للفقر.

كما اعتبر أن “تآكل الطبقة الوسطى ينعكس مباشرة على المالية العامة، كونها تشكّل الركيزة الأساسية للإيرادات الضريبية، ما يدخل الدولة في حلقة مفرغة من تراجع الإيرادات وضعف الخدمات وتوسّع الفقر”.



المسؤوليات والإصلاحات المطلوبة

في ما يتعلّق بالإصلاحات المطلوبة، أشار عجاقة إلى “إمكانية التمييز بين مسؤولية قضائية تقع على عاتق القضاء لمحاسبة المسؤولين، ومسؤولية سياسية واقتصادية تتحمّلها الحكومات المتعاقبة وفق المادة 65 من الدستور”.

وأكد أنه “لا يُمكن خفض معدلات الفقر من دون نمو اقتصادي حقيقي قائم على استعادة الثقة، وتحفيز الاستثمار”، وخلق فرص العمل، معتبرًا أن “المساعدات الإنسانية وحدها غير كافية”.

ولفت إلى “الدور المحوري للشركات الصغيرة والمتوسطة في مكافحة الفقر، كونها توظف أكثر من 50 % من اليد العاملة وتساهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الإنتاجية”.

وختم بالتأكيد على “ضرورة تنفيذ إصلاحات أساسية تشمل توحيد سعر الصرف، الحد من الاقتصاد النقدي، إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إصلاح قطاع الكهرباء، مكافحة الفساد، وتمكين القضاء”، معتبرًا أن “محاربة الفقر تتطلب سياسات شاملة ومستدامة، لا حلولًا ظرفية”.

لفهم حجم التحوّلات الاجتماعية التي أصابت المجتمع اللبناني خلال السنوات الأخيرة، لا يكفي التوقف عند نسب الفقر فقط، بل لا بُدّ من العودة إلى التركيبة الاجتماعية التي كان يقوم عليها المجتمع قبل الانهيار الاقتصادي. فالأزمة التي اندلعت منذ عام 2019 لم تُنتج فقرًا جديدًا فحسب، بل أعادت رسم الخريطة الطبقية للبنانيين، وغيّرت مواقع شرائح واسعة داخل السلم الاجتماعي.

تاريخيًا، شكّلت الطبقة الوسطى الركيزة الأساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، وضمانة للاستهلاك، والتعليم، والإنتاج، والإيرادات الضريبية للدولة. غير أن تآكل هذه الطبقة، نتيجة انهيار العملة وتراجع الدخل الحقيقي، فتح الباب أمام توسّع سريع للطبقة الفقيرة، وقلّص المساحة الفاصلة بين الفقر والهشاشة الاجتماعية.



تبدّل التركيبة الاجتماعية

في هذا الإطار، يشرح الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين كيف تبدّلت التركيبة الاجتماعية في لبنان قبل الأزمة وبعدها، مستندًا إلى أرقام ومعطيات تُظهر حجم الانحدار الذي أصاب الطبقة الوسطى، واتساع قاعدة الفقر، والفارق بين مقاربة الفقر وفق مستوى الدخل ومفهوم الفقر المتعدّد الأبعاد المعتمد دوليًا.

أشار شمس الدين لـ “نداء الوطن”، إلى أنه “تاريخيًا، وقبل الأزمة والاضطراب الذي شهدته البلاد مع نهاية عام 2019، كانت التركيبة الاجتماعية للشعب اللبناني على النحو التالي:

الطبقة الغنية: تُمثل حوالى 5 % من السكان، أي الأشخاص الذين يمتلكون ثروة كبيرة ومدخرات.

الطبقة الوسطى: تشكل 70 % من السكان، وهي الطبقة التي كان دخلها الشهري يكفي لتأمين حياة مستقرة، تشمل السكن، الطعام، الترفيه، وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

الطبقة الفقيرة: تبلغ نسبتها 25 %، وتنقسم إلى قسمين، 15 % فوق خط الفقر ويكفي دخلهم لتغطية الاحتياجات الأساسية، و10 % تحت خط الفقر حيث لا يكفي دخلهم لتأمين الغذاء الصحي والسليم.

مع الأزمة الاقتصادية التي تلت عام 2019، طرأت تغييرات كبيرة على هذه التركيبة:

بقيت الطبقة الغنية عند نسبة 5 %.

انخفضت الطبقة الوسطى من 70 % إلى 40 %، وأصبح 30 % من أفرادها ضمن الفئة الفقيرة.

ارتفعت الطبقة الفقيرة إلى 55 %، منها 30 % فوق خط الفقر و25 % تحت خط الفقر.

بناءً عليه، أصبحت التركيبة الحالية تقريبًا:

الفقراء: 55 %.

الطبقة الوسطى: 40 %.

الأثرياء: 5 %.

وأوضح شمس الدين أنه “في النقاشات الراهنة، يُشير البعض إلى أن نسبة الفقراء في لبنان تصل إلى 85 %، إلا أن هذا التقدير يعتمد على مفهوم الفقر متعدد الأبعاد الذي يعتمده البنك الدولي. أما عند الحديث عن الفقر وفقًا لمستوى الدخل، فنحن نعتمد المفهوم الكلاسيكي للفقر، الذي يركز على القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية ولا يشمل بالضرورة مدخرات المواطن أو قدرته على مواجهة الصدمات المالية”.

تتقاطع قراءة عجاقة مع معطيات شمس الدين عند خلاصة واحدة واضحة: الفقر في لبنان لم يعد ظاهرة هامشية أو محصورة بفئات محددة، بل أصبح نتيجة مباشرة لانهيار اقتصادي طويل الأمد أعاد تفكيك التركيبة الاجتماعية، وقلّص حجم الطبقة الوسطى، ووسّع قاعدة الفقر بشكل غير مسبوق. فالأرقام، سواء تلك المرتبطة بالفقر المتعدّد الأبعاد أو بتوزّع الطبقات الاجتماعية وفق الدخل، تعكس واقعًا واحدًا وإن اختلفت أدوات القياس.

ما بين التحليل الاقتصادي الذي يضع السياسات المالية والنقدية موضع مساءلة، والمعطيات الاجتماعية التي تُظهر التحوّلات العميقة في بنية المجتمع، يتبيّن أن معالجة الفقر لا يمكن أن تُدار كملف اجتماعي ظرفي، ولا أن تُختصر ببرامج دعم محدودة الأثر. فغياب النمو الاقتصادي، وتآكل الثقة، واستمرار النزيف في سوق العمل، كلها عوامل تُبقي الفقر في موقعه كأزمة بنيوية لا كحالة طارئة.

وعليه، فإن كسر حلقة الفقر في لبنان يمرّ حتمًا عبر مقاربة شاملة تجمع بين الإصلاح الاقتصادي، واستعادة الثقة، وخلق فرص عمل منتجة، وحماية الطبقة الوسطى قبل أن تتلاشى بالكامل. من دون ذلك، ستبقى الأرقام تتبدّل في التقارير، فيما الواقع المعيشي يُواصل انحداره خارج أي إطار فعلي للحل.

نداء الوطن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى