«خرمشهر 4» يظلّل المفاوضات | أميركا – إيران: جولة أولى… بلا خروقات

محمد خواجوئي
طهران | بعد توقّف دام أكثر من ثمانية أشهر، عاد قطار المفاوضات الإيرانية – الأميركية إلى الانطلاق من محطّة مسقط، وسط أجواء مثقلة بتباينات حادّة في المواقف وسقوف المطالب، وبقدر عالٍ من «انعدام الثقة» والتشاؤم المتبادل بين الطرفين. وعُقدت، أمس في العاصمة العُمانية، جولة مفاوضات غير مباشرة بين الوفد الإيراني برئاسة وزير الخارجية، عباس عراقجي، والوفد الأميركي برئاسة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، ستيف ويتكوف، وذلك بوساطة وزير الخارجية العُماني، بدر البوسعيدي، غير أنها انتهت من دون تحقيق اختراق يُذكر في المواضيع الخلافية، إذ اكتفى الطرفان بالاتفاق على «مواصلة الحوار». ووفقاً لما أفادت به «مصادر دبلوماسية مطّلعة»، تمحور الجانب الأساسي من المحادثات حول «تحديد إطار للتفاوض»، وهو ما عرض كلّ من الطرفين في شأنه مطالبه ومواقفه. وتشير المصادر إلى أنه لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق بشأن هذا الإطار، في ظلّ استمرار التباين الجوهري بين مقاربتَيهما، ما يترك مصير الجولة المقبلة من المحادثات مفتوحاً على كلّ الاحتمالات.
وإلى جانب الخلاف القائم حول طبيعة المواضيع المطروحة للتفاوض، فإن التباينات لا تزال عميقة أيضاً بشأن سقوف المطالب في كلّ ملفّ على حدة. فعلى سبيل المثال، في الملفّ النووي الذي تصرّ إيران على أن يكون الموضوع الوحيد على الطاولة، تتمسّك طهران بحقّها في تخصيب اليورانيوم، في حين تعارض واشنطن هذا الحقّ بشكل كامل، وتطالب بالنقل الفوري لمخزونات اليورانيوم المخصّب إلى خارج إيران.
ووصف عراقجي، عقب الاجتماع الذي استمرّ نحو ستّ ساعات، هذه الجولة بأنها «بداية جيّدة»، مشيراً إلى توصّل الجانبين إلى اتفاق على «مبدأ الاستمرار في المفاوضات»، مع تأكيده أن «حال انعدام الثقة الكبيرة التي نشأت في أثناء الأشهر الأخیرة تعدّ تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات. ويجب أن نتغلّب أولاً على أجواء انعدام الثقة ثم نتمكّن من تصميم إطار لحوار جديد يلبي مصالح الشعب الإيراني». وأشار عراقجي، في حديث إلى التلفزیون الإیراني، إلى أنه «جرت مناقشات جيدة إلى حدّ ما، وتمّ الاستماع إلى وجهات نظر الطرفين، وتقرّر أن يستمر المسار»، مضیفاً أنه «تمّ الاتفاق على أن تتواصل المفاوضات، إلا أن توقيتها وكيفيتها وتاريخها ستُبحث في مشاورات لاحقة تجري عبر وزير خارجية عمان». كما شدّد على «حصر المفاوضات بالملفّ النووي فقط»، لافتاً إلى «أننا أبلغنا الطرف الأميركي أن الشرط الأساس لأيّ حوار هو الامتناع عن التهديد وممارسة الضغوط».
البوسعيدي: سيتم عقد اجتماع آخر في الوقت المناسب
من جانبه، وصف البوسعيدي، المفاوضات بأنّها «جادة جداً»، معلناً أنه «سيتم عقد اجتماع آخر في الوقت المناسب، على أن تُدرس نتائج اجتماع اليوم بعناية في طهران وواشنطن». وفيما لم يدلِ المسؤولون الأميركيون، بدورهم، بأي تصريح رسمي حتى مساء أمس، نشطت التسريبات عبر وسائل الإعلام. إذ نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن «مصادر مطلعة» القول إن إيران «رفضت إنهاء تخصيب الوقود النووي أو نقله إلى الخارج، لكنها أظهرت استعداداً لمواصلة العملية الدبلوماسية في محاولة لإيجاد حلّ». ومن جهتها ذكرت محطة «سي إن إن». نقلاً عن مشاركين، أن إدخال عناصر جديدة إلى الوفد الأميركي، قد يفضي إلى نقاشات أكثر إنتاجية. واختلف الوفد الأميركي في هذه الجولة عن الوفود التي شاركت في الجولات السابقة، وذلك بانضمام صهر ترامب، جاريد كوشنر، وقائد القيادة المركزية الأميركية، الأميرال براد كوبر، إليه. ونقلت المحطة عن المصادر قولها إن «وجود كوبر يمثّل المرة الأولى التي يشارك فيها مسؤول عسكري أميركي رفيع في محادثات غير مباشرة مع إيران في أثناء الولاية الثانية لترامب». ونسبت إلى بعض المشاركين في المحادثات أن إبطاء وتيرتها قد يتيح المجال لإجراء مفاوضات أكثر عمقاً. أيضاً، نقلت وكالة «رويترز» عن دبلوماسي إقليمي القول إن طهران أبدت استعدادها لمناقشة مستوى التخصيب ونقائه أو تشكيل اتحاد إقليمي، مضيفاً أن طهران تعتقد أن واشنطن أبدت مرونة تجاه مطالبها.
وجرت مفاوضات مسقط في سياق لا ينفصل عن تجارب العام الماضي، إذ كانت طهران وواشنطن قد خاضتا خمس جولات تفاوضية بوساطة عُمانية، غير أن هذا المسار توقّف من دون تحقيق نتائج ملموسة في حزيران، وذلك قبيل انعقاد الجولة السادسة، التي سبقها شنّ إسرائيل هجوماً عسكرياً على إيران، شاركت فيه الولايات المتحدة باستهداف منشآت نووية إيرانية. ولهذه الأسباب، انطلقت الجولة الجديدة من المفاوضات في ظلّ مناخ من التشاؤم والحذر، ولا سيّما من الجانب الإيراني.
وقبيل ساعات من انطلاق مفاوضات مسقط، أعلن الحرس الثوري الإيراني دخول الصاروخ الباليستي «خرمشهر 4»، الأكثر تطوراً، لأول مرة الخدمة ضمن ترسانته الصاروخية، في خطوة قال نائب رئيس الشؤون السياسية في الحرس، يد الله جواني، إنها تحمل «رسالة خاصة» مفادها أن «إيران، وإن كانت قد حضرت إلى طاولة المفاوضات، فإنها لا تتخلّى عن قدراتها العسكرية». وبحسب ما أفادت به مصادر رسمية، يبلغ مدى الصاروخ نحو ألفي كيلومتر، ويزن رأسه الحربي 1500 كيلوغرام، ويتمتّع بدقّة إصابة تصل إلى 30 متراً، إضافةً إلى تمتّعه بقدرات عالية على مقاومة الحرب الإلكترونية.
وتكمن أهمية الكشف عن هذا الصاروخ، في التوقيت الراهن، في أن الولايات المتحدة وإسرائيل لطالما شدّدتا على أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يتضمّن فرض قيود على قدراتها الصاروخية، بما في ذلك خفض مدى الصواريخ، في إشارة واضحة إلى منع وصولها إلى الأراضي المحتلّة. وفي المقابل، تعتبر إيران أي تفاوض بشأن قدراتها العسكرية، ولا سيّما الصاروخية منها، «خطاً أحمر» غير قابل للنقاش، وترفض إدراجه ضمن أي مسار تفاوضي.
ومن هنا، تُقيَّم احتمالات فشل المسار التفاوضي والانزلاق نحو مواجهة عسكرية على أنّها مرتفعة، وهو ما يفسّر التأكيد المتزايد من الجانب الإيراني على الجاهزية والاستعداد لمثل هذا السيناريو.
وفي هذا السياق، أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء عبد الرحيم موسوي، أن إيران أعادت النظر في عقيدتها العسكرية بعد حرب حزيران، منتقلةً من مقاربة «دفاعية» إلى أخرى «هجومية»، ومتبنّية سياسة «الحرب اللامتماثلة والردّ الساحق على الأعداء». وأكّد أن قوات الحرس الثوري والجيش الإيراني تتمتّع اليوم بدرجة «استثنائية» من الاستعداد لأي مواجهة محتملة في المستقبل.
الأخبار



