اخر الاخبارمقالات وقضايا

“انتفاضة السادس من شباط” لحظة كسر الوصاية وإعادة تأسيس التوازن الوطني (بقلم عبدالله ناصر الدين)



شكّلت انتفاضة السادس من شباط 1984 نقطة تحوّل حاسمة في مسار السياسة اللبنانية، ليس بوصفها حدثًا أمنيًا ظرفيًا، بل باعتبارها لحظة سياسية أعادت إنتاج التوازنات الداخلية، وأسقطت مشاريع فُرضت على لبنان من خارج إرادته الوطنية. فقد كشفت تلك الانتفاضة حدود القوة حين تُستخدم خارج منطق الشراكة، ورسّخت معادلة جديدة قوامها أن الاستقرار لا يُبنى بالإقصاء ولا تُدار الدولة بمنطق الغلبة.

جاءت الانتفاضة في سياق بالغ التعقيد، أعقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، حيث سعت قوى إقليمية ودولية إلى إعادة تشكيل المشهد اللبناني عبر اتفاق 17 أيار، الذي افتقد منذ ولادته لأي غطاء وطني جامع. لم يكن الاعتراض عليه نابعًا من رفضٍ سياسي فحسب، بل من إدراك عميق لخطورة تحويل الدولة إلى أداة تنفيذ لمشروع خارجي، وإقحام الجيش في مواجهة بيئته الاجتماعية، بما يهدد وحدته ودوره الوطني.

في السادس من شباط، انهارت هذه الصيغة دفعة واحدة. لم يكن ما جرى معركة عسكرية بقدر ما كان انهيارًا لمنظومة سياسية فاقدة للشرعية. فقد أظهر الواقع أن السلطة التي تستند إلى الدعم الخارجي وحده، وتُدير التوازنات بالقوة، عاجزة عن الصمود أمام حركة شعبية منظّمة تمتلك وضوح الهدف والتفاف البيئة. سقطت السيطرة، وتراجعت الوحدات العسكرية، وتبيّن أن فرض الوقائع لا يصنع دولة.

سياسيًا، مثّلت الانتفاضة الضربة القاضية لاتفاق 17 أيار، وأسقطت المشروع الصهيوني في العاصمة بيروت، وفتحت الباب أمام إعادة الاعتبار للتوازن الداخلي. كما كرّست حركة أمل لاعبًا وطنيًا أساسيًا، لا يمكن تجاوز حضوره في أي معادلة سياسية لاحقة، وأسقطت في الوقت نفسه كل المشاريع الهادفة إلى إخراج لبنان من محيطه العربي أو ربطه بالمنظومة الصهيونية.

أما على مستوى القيادة، فقد برز الرئيس نبيه بري بوصفه العنوان السياسي لهذا التحول. لم يقد الانتفاضة بمنطق الغلبة، بل حوّل نتائجها إلى مسار سياسي عقلاني، مستندًا إلى رؤية الإمام موسى الصدر القائمة على الشراكة والعيش المشترك. قدّم الرئيس بري نموذجًا لقيادة وطنية قادرة على الجمع بين الصلابة والانفتاح، مؤكّدًا أن قوة الطائفة لا تكون بعزلها، بل بدورها الوطني، وأن العدو الوحيد للبنان هو العدو الإسرائيلي.

أعادت انتفاضة السادس من شباط تثبيت موقع الطائفة الشيعية في قلب المعادلة الوطنية، لا كقوة تعطيل، بل كشريك كامل في إنتاج القرار. ومنذ ذلك التاريخ، لم تعد التسويات تُصاغ من دون هذا المكوّن، ولم يعد ممكنًا تجاهل منطق التوازن.

هكذا، لم تكن الانتفاضة حدثًا في ذاكرة الحرب، بل محطة تأسيسية أعادت تصويب مفهوم الدولة، ووضعت لبنان مجددًا على طريق الحوار، والشراكة، والانتماء العروبي، باعتبارها الركائز الوحيدة لبناء وطن قابل للحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى