صندوق النقد يشكّك بمشروع «الفجوة»: 10 مليارات دولار كلفة السنة الأولى

محمد وهبة
حتى الآن لا يبدو أن هناك استعجالاً تشريعياً لدراسة وإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع. فالأولوية اليوم هي للموازنة العامة التي سيبدأ نقاشها قريباً في الهيئة العامة بعد تعيين موعد لها. وعدم الاستعجال مصدره قراءة سياسية – تقنية بشأن تبعات إقرار القانون شعبوياً على الكتل السياسية قبل الانتخابات النيابية، وتقنياً بسبب الكثير من الملاحظات الجوهرية بشأنه، فضلاً عن الملاحظات الإجرائية والتطبيقية عليه.
طبعاً، إن أي قراءة سياسية لهذا المشروع يجب أن تأخذ في الحسبان المشهد الأوسع في لبنان والمنطقة، وهو مشهد محكوم بالكثير من العوامل المتغيّرة التي لا تجعله مستقرّاً. أما على الصعيد التقني، فإن أبرز الملاحظات الجوهرية هي تلك التي تتعلق بما قاله صندوق النقد الدولي للمسؤولين، إذ في رأيه إن صيغة المشروع التي أقرّتها الحكومة غير قابلة للحياة وتتطلّب إنفاق 10 مليارات دولار في السنة الأولى من سداد الودائع، فضلاً عن أن توزيع الخسائر بناء على توزيع المسؤوليات ليس واضحاً.
يمكن اختصار ملاحظات صندوق النقد الدولي بأربع ملاحظات أساسية:
– الأرقام التي بُنيت حسابات المشروع على أساسها غير دقيقة. وبهذا المعنى، فإن ما يقصده الصندوق أن المعطيات الرقمية بشأن الودائع وكلفتها وتوزيع هذه الكلفة بناء على الأصول المتوافرة لدى مصرف لبنان والمصارف ليس دقيقاً، بل يحتاج الأمر إلى دراسة أوفى وأعمق من السيناريوهات التي بُني عليها المشروع. فعلى أي أساس استند المشروع لتقدير الخسائر والفجوة المالية قبل تنقية الأصول أو بعدها؟ لا جواب واضحاً لدى صندوق النقد الدولي على هذه النقطة، وهو ما يجعله متشككاً في الأرقام والتقديرات المالية وانعكاسها على المالية العامة، وهذا هو محور تركيزه في الأساس، وكل الملاحظات التالية مرتبطة بهذا الأمر بشكل أساسي.
– يعتقد صندوق النقد الدولي أن تراتبية توزيع الخسائر ليست واضحة بعد كما وردت في مشروع القانون المُحال إلى مجلس النواب. وفق بعض المعنيين بإعداد هذا القانون، فإن صندوق النقد الدولي كان يطالب بتصفير كامل لرساميل المصارف بما يؤدي إلى تحميلها 20 مليار دولار من الخسائر، ولكن المشروع يؤدي في نهاية الأمر إلى تكبيدها 10 مليارات دولار، ليس واضحاً كيف ستتم رسملتها. وهو باب مفتوح للاستنساب، لا سيما أن الودائع «القديمة» سيتم التعامل معها على أساس أسعار صرف مختلفة، بينما «الفجوة» التي ستظهر في ودائع المصارف لدى مصرف لبنان ليس واضحاً كيف سيتم التعامل معها وكيفية تغطيتها.
– بالنسبة إلى صندوق النقد الدولي، إن تطبيق المادة 113 من قانون النقد والتسليف، والتي هي بمثابة مؤشّر على مشاركة الدولة في تحمّل الخسائر بشكل مباشر عبر الخزينة العامة، أمر مرفوض. ويعتقد الصندوق، كما أبلغ المسؤولين في لبنان، أن أي تعثّر في تسديد الالتزامات المترتبة على مصرف لبنان، سينعكس مباشرة على الخزينة العامة.
وهذا السداد ليس مقتصراً على سنة واحدة أو على فترات محدّدة، بل يمتدّ على أكثر من 20 سنة، وبالتالي إن أثره على المالية العامة قد يمتدّ زمنياً لفترة طويلة، وقد يفرض على الخزينة العامة التدخّل لتغطية الالتزامات السنوية على المصرف بموجب تطبيق المادة 113 من قانون النقد والتسليف، وإن من شأن ذلك أن ينعكس على نفقات الخزينة العامة ويترك أثراً «مستداماً» على قدرة الدولة على تحمّل الدين والالتزامات.
فالمطلوب من لبنان ألا يسجّل أي عجز مالي، وأن يواصل مراكمة الفائض الأولي، بمعنى أن يواصل التقشّف الشديد واستعمال السياسة المالية – الضرائب من أجل الحفاظ على توازن السياسة النقدية. لا بل المطلوب من الدولة أن تواصل جمع الضرائب وزيادتها من أجل تحقيق الفائض المالي وعدم الوقوع بالعجز.
سندات اليوروبوندز المستحقة
أصلاً وفائدة تبلغ 50 مليار دولار قبل الشطب
المطلوب من لبنان أن تكون سياسته تشدّدية، لا أن يكون التشدّد المالي هو مجرّد ردّ فعل ظرفي ومؤقت. وبهذا المعنى، فإن استدامة الدين وقدرة الخزينة على تحمّله هما الأساس، إذ يجب ألا ننسى أن استحقاقات سندات اليوروبوندز، بكاملها أصلاً وفائدة، تتجاوز 50 مليار دولار، وهو رقم هائل حتى بعد «الشطب» المتوقع بأن يتراوح بين 60% و70%، أي إنه في أفضل الأحوال ستترتب على لبنان ديون بقيمة تتراوح بين 15 ملياراً و20 مليار دولار، أي بنسبة كبيرة من القيمة الفعلية للناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي، فإن حساب الفوائد المترتبة على هذا المبلغ والمدفوعات السنوية مقارنة مع الإيرادات المتوقعة والنفقات المتوقعة في السنوات المقبلة يجب ألا تصل بالوضع المالي إلى مستوى العجز. وسيكون من الإعجاز ألا نصل إلى هذا المستوى.
– الملاحظة الأخيرة والأخطر، في ما قاله صندوق النقد الدولي للمسؤولين في لبنان، هو أن كلفة السنة الأولى من أصل السنوات الأربع المتعلقة بتسديد أول 100 ألف دولار، تبلغ 10 مليارات دولار، أي ما يساوي جزءاً أساسياً وكبيراً من السيولة المتوافرة لدى مصرف لبنان حالياً والبالغة 12 مليار دولار.
تسديد هذا المبلغ من مصرف لبنان يعني تنشيفاً هائلاً للسيولة ستكون له تداعيات خطيرة على قدرة لبنان على تغطية حاجاته بالعملة الأجنبية. وهذا الحساب، أي الـ10 مليارات دولار، استند إلى مسألة بسيطة: قاعدة هرم الاستحقاقات لتسديد الـ100 ألف دولار عريضة جداً، لأن متوسط ما هو متوافر في الحسابات الصغيرة التي يقلّ ما فيها عن 100 ألف دولار، يبلغ 19 ألف دولار. ويضاف إلى ذلك أن عدد الذين تستحق لهم هذه الودائع كبير جداً.
بمعنى آخر، إن الحكومة التزمت وفق مشروع القانون ألا تقلّ الدفعات الشهرية عن 1500 دولار، أي 18 ألف دولار سنوياً، وأن متوسط المبالغ في الحسابات التي فيها أقلّ من 100 ألف دولار، يبلغ 19 ألف دولار لعدد يبلغ 782 ألف حساب.
وإذا اعتبرنا أن جمع الحسابات سيؤدي إلى إلغاء نحو 30% من الحسابات (هذا هو سيناريو وزارة المال)، فإن عدد المستحقين يبلغ 547 ألف حساب فيها بمتوسط 19 ألف دولار (حكماً ستبقى المبالغ الأقلّ في الحسابات المستحقة)، وبالتالي إن المبالغ المستحقة على أساس 18 ألف دولار سنوياً، تبلغ 9.8 مليارات دولار.
ويفترض أن يضاف إلى مبلغ الاستحقاقات في السنة الأولى، مبلغ 18 ألف دولار لنحو 145 ألف حساب تمثّل الشريحة التي فيها أكثر من 100 ألف دولار ويستحق لها 18 ألف دولار أيضاً في السنة الأولى، أي ما قيمته 2.6 مليار دولار. من أين ستأتي هذه المبالغ؟ هذا شكّ مشروع في جوهر القانون المُحال إلى مجلس النواب لا يتعلق بالمسعى والسياسة التي ينفذها صندوق النقد في الضغط على لبنان، وإنما بمراكز النفوذ والقوى في لبنان التي تضغط من أجل إنجاز أي مشروع. فهل ما يراه رئيس الحكومة إنجازاً هو مجرّد واجهة «ليشيل الموضوع عن ضهر الحكومة»؟
الاخبار


