اخر الاخبارعربي ودولي

ترامب حاكماً بأمره لـ«مجلس السلام»: هكذا يُكرَّس الاحتلال

يحيى دبوق

أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منتصف الشهر الجاري، تأسيس «مجلس السلام»، الذي قدّمته وسائل الإعلام باعتباره «استجابةً إنسانية» عاجلة لإعادة إعمار قطاع غزة، وإحلال السلام بعد الحرب. لكن ميثاق المجلس، ولدى قراءته بعناية، لا يحتوي على أيّ ذكر لغزة، ولا يشير إلى الدمار الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي هناك، ولا إلى معاناة الفلسطينيين؛ لا بل إنه لا يشتمل، سواء صراحة أو تلميحاً، أيّ إشارة إلى الصراع العربي – الإسرائيلي، أو إلى القضيّة الفلسطينية في ذاتها. ويَطرح هذا الغياب المتعمّد تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية لهذا الكيان الجديد، ومسارعة تل أبيب إلى الانضمام إليه، في موازاة تحفُّظها على ما دونه، من مجالس تنفيذية فرعية.
الواقع أن «مجلس السلام» يبدو أقرب إلى مؤسسة عالمية دائمة، يسيطر عليها فرد واحد، وتموَّل عبر صندوق خاص لقاء عضوية بالدولار، وذلك لهدف رئيس: السيطرة على القرار العالمي، واستبدال منظّمة الأمم المتحدة التي ثبت لترامب أنها ليست طيّعة لإرادته، وتحديداً الشخصية منها. وكان مجلس الأمن الدولي رحّب بالمشروع قبل شهرين، استناداً إلى عرض أوَّلي ركّز حصريّاً على غزة. لكن الميثاق النهائي الذي صدر، منتصف الشهر الحالي، أي بعد شهرين فقط، لم يتضمّن أيّ التزام بإعادة الإعمار، أو أي آلية لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، كما أنه لا يعترف بحقوق الفلسطينيين، ولا حتى يعرّف غزة ككيان جغرافي أو بشري. كذلك، لا يوجد في الهيكل التنظيمي للمجلس أيّ جهة متخصّصة بالشؤون الإنسانية، ولا يوجد ممثّل عن «منظمة الصحة العالمية»، ولا عن «برنامج الأغذية العالمي»، ولا طبعاً أيّ إشارة إلى «الأونروا» التي تمّ استبعادها تماماً.

في المقابل، يضمّ المجلس التنفيذي شخصيات من عالم المال والاستثمار، من مثل رئيس «البنك الدولي»، وأحد كبار مديري صناديق الأسهم الخاصة في «وول ستريت»، وأيضاً محرّك الحروب توني بلير، وجوقة من مؤيّدي ترامب ومستشاريه وأقاربه من كبار الاقتصاديين والمستثمرين، في ما يوحي بأن الغرض من المشروع الهيمنة السياسية – المالية، وإدارة الموارد والتحكُّم بها. أما الجهة الوحيدة التي تلامس الواقع الميداني في غزة، وهي «اللجنة التقنية الفلسطينية»، فلا تمتلك أيّ سلطة حقيقية. فهي تتلقّى تعليماتها من «مجلس غزة التنفيذي»، الذي يرأسه مدير عام «أكاديمية أنور قرقاش» الإماراتية، نيكولاي ملادينوف، المعروف بانحيازه الواضح إلى الموقف الإسرائيلي، ومعاداته للقضيّة الفلسطينية. وفي الوقت ذاته، فإن أعضاء اللجنة أنفسهم هم فلسطينيون بلا هوية وطنية واضحة، ولم تطأ أقدامهم غزة قطّ.

صُمَّم «مجلس السلام» ليكون أداة تركيز للسلطة في يد فرد واحد


من حيث البنية، صُمَّم «مجلس السلام» ليكون أداة تركيز للسلطة في يد فرد واحد، لا آلية جماعية لصنع القرارات. فالميثاق ينصّ صراحةً على أن دونالد ترامب هو العضو الوحيد المسمّى بالاسم، ليس بصفته رئيساً للولايات المتحدة، بل لذاته؛ وهو الرئيس الدائم مدى الحياة، والوحيد الذي يمتلك حقّ تعيين الأعضاء وإقالتهم وإصدار القرارات من دون تصويت، فضلاً عن تحديد جدول الأعمال والتصرُّف بالصندوق المالي بلا رقابة أو محاسبة.

وعليه، يبدو أن الدول التي وافقت على الانضمام إلى المجلس، لا تفعل ذلك إيماناً منها برسالته المعلَنة، بل بدافع حسابات ضيّقة ومصالح جانبية. ويمكن تقسيم هذه الدول عمليّاً إلى ثلاث فئات: الأولى، دول تخشى سخط ترامب، وترى في المشاركة وسيلة احترازية لتفادي عقوبات أو ضغوط سياسية واقتصادية؛ والثانية، ترى في العضوية فرصةً للظهور كجزء من «النخبة الدولية»، رغم غياب أيّ دور حقيقي لها؛ والثالثة، تستغلّ العضوية كوسيلة لتعزيز مصالحها الثنائية مع ترامب، بعيداً تماماً من غزة أو السلام.
في هذا السياق، يُفهم بوضوح سبب مبادرة إسرائيل إلى الانضمام كعضو مؤسِّس، بل كداعم رئيس للمجلس، خصوصاً أنها لا تراه آلية لإحلال السلام، بل كفرصة استراتيجية لتعزيز هيمنتها تحت غطاء دولي جديد. فالنقاط الثلاث التي تحرّك الدول المشاركة، تتطابق تماماً مع الأهداف الإسرائيلية طويلة الأمد، في حين تدرك تل أبيب أن الرئيس الأميركي، بصفته «رئيس مجلس الإدارة مدى الحياة»، يمنحها غطاءً سياسيّاً غير مشروط، فضلاً عن أن أيّ كيان يُضعف الأمم المتحدة ويركّز السلطة في يد فردٍ معادٍ للقانون الدولي، يعمل مباشرة لمصلحة مشروعها الاستيطاني والتوسّعي؛ كما أن غياب أيّ التزام بحقوق الفلسطينيين أو آليات مساءلة، يخلق «فراغاً قانونيّاً» يمكن استغلاله لترسيخ الواقع الاحتلالي القائم على الأرض.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى