اخر الاخبارمقالات وقضايا

ترشيق الإدارات العامة: موظفو «الصحة» من 2349 إلى 615

راجانا حمية

أقرّت الحكومة في تشرين الثاني الماضي إلغاء 27 وظيفة من ملاك الإدارة العامة، أي نحو 2600 مركز وظيفي من الفئتين الرابعة والخامسة. ويُفترض أن تتبع هذا القرار خطوة أخرى تتمثّل في تعديل مسمّيات 29 وظيفة إضافية تضمّ نحو 3162 مركزاً وظيفياً.

عملياً، بات هذا المسار واقعاً مع إطلاق ورشة ترشيق الإدارات وإعادة هيكلة عدد من المؤسسات العامة، بالتنسيق مع مجلس الخدمة المدنية. وقد رأت رئيسة المجلس، نسرين مشموشي، في هذا التوجّه مساراً لا بدّ منه، مع انعدام الحاجة إلى بعض الوظائف ضمن الملاكات. غير أنّ ما يثير الريبة والقلق هو أن يتحوّل هذا النهج، المستند إلى «وصفة» البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مدخلاً لتحجيم القطاع العام وتلزيم مهماته تدريجياً لمنظمات رديفة، كما يحدث اليوم في معظم الإدارات.

بغضّ النظر عن الهدف المعلن، فإنّ ورشةً واسعة انطلقت لإلغاء مسمّيات وظيفية، تؤكّد مشموشي أنّها «لن تكون إلغاءات اعتباطية». ومن بين هذه الورش، تلك التي أطلقتها وزارة الصحة وفق مسارين: الأوّل التخفّف من الوظائف التي انتفت الحاجة الفعلية إليها، والثاني ضخّ دم جديد في الملاك الوظيفي.

الترشيق بدأ فعلياً مع موافقة مجلس الوزراء، في تشرين الثاني الماضي، على مشروع مجلس الخدمة المدنية بإلغاء 27 وظيفة لم يعد هناك مبرّر لها. وقد طال هذا الإجراء وزارة الصحة من خلال إلغاء كل ما هو مرتبط بوظيفة مستكتب (أول وثانٍ) ومأمور هاتف وحارس وبوّاب.

وإلى ذلك، أعدّت الوزارة دراسة حدّدت فيها مسمّيات وظيفية أخرى لم تعد موجودة إلا في السجلات، ومن بينها، مثلاً: معاون ميكانيكي، أخصائي سينما، أخصائي مُرمِز، رسّام، مساعد سائق سيارة، لاقط حشرات، مشغّل سينما، مراقب أخذ دم، مساعد طاهٍ، ومساعد صيدلي. كما شمل الإجراء شطب العاملين في المستوصفات الحكومية، التي باتت إمّا تعمل تحت مظلّة منظمات أو هيئات أهلية أو غيرها، ولم يعد يربطها بالوزارة أي فعل وظيفي مباشر، وكذلك موظفي المستشفيات الحكومية التي تحوّلت إلى مؤسسات مستقلة مالياً وإدارياً، ولم يعد ثمة مبرّر للإبقاء عليهم ضمن ملاك الوزارة.

وبناءً عليه، يُفترض شطب 886 موظفاً من العاملين في المستشفيات الحكومية، و848 موظفاً موزّعين بين مستوصفات ووظائف انتهت صلاحيتها، ما يعني بقاء 615 موظفاً في ملاك الوزارة، في حين أنّ العدد الفعلي اليوم لا يتجاوز الـ 500. فرغم أن ملاك الوزارة «منتفخ» بموظفين خرجوا منذ زمنٍ من تحت وصايتها المباشرة، كموظفي المستشفيات الحكومية والمستوصفات، إلا أن أكثر من نصف المراكز الوظيفية في الوزارة شاغرة، أو يشغلها متعاقدون. واليوم، يضم الملاك نحو 500 موظف، عدد لا بأس به منهم اقترب من سن التقاعد.

لم يتحرّك الجيش رغم المطالبات بالكشف على المنازل للتأكّد من خلوّها من الأسلحة

وإذا كان مسار الترشيق يبدو الأسهل، باعتبار أنّ معظم الوظائف المطلوب إلغاؤها إمّا شاغرة أو لم تعد مرتبطة بالوزارة، فإنّ المسار الآخر أكثر تعقيداً، لما يتطلّبه من رفد المراكز الوظيفية الأساسية في الملاك بالعدد الكافي من الموظفين، وخلق وظائف جديدة فرضتها الحاجة إلى مواكبة التطوّر.

وفي هذا الإطار، تقدّمت إلى مجلس الوزراء بطلب الموافقة على تنظيم مباراة عبر مجلس الخدمة المدنية للتعاقد مع 56 طبيباً مراقباً (أطباء قضاء)، ومباراة أخرى للتعاقد مع 15 صيدلياً مفتشاً و5 صيادلة آخرين، كما ستتقدّم بطلبات لمباريات أخرى لسدّ النقص الكبير في ملاكها، لا سيّما في فئات الاختصاص.

كذلك تُعدّ الوزارة، بالتعاون مع مجلس الخدمة، دراسة حول الوظائف المستحدثة التي يمكن إدراجها ضمن الملاك، ويُفترض أن تشمل كل ما يتصل بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتطبيقات الإلكترونية، وإدارة البيانات والمعلومات والإحصاءات، وغيرها. ولفتت مشموشي إلى الحاجة إلى «وظائف أساسية في مجالات التخطيط والموارد البشرية، إلى جانب بعض الوظائف التخصّصية».

يشار إلى أن نظام الملاك في المؤسسات العامة والوزارات الصادر عام 1959 قلّما جرى تحديثه. وفي ملاك وزارة الصحة، مثلاً، لم يعد النظام قادراً على ردم الهوة بين ما هو منصوص عليه وما هو مطلوب. وأبسط مثالٍ على ذلك أن النظام رصد مفتشاً صيدلياً واحداً في كل قضاء، وهو أمر قد يستقيم لو بقي عدد الصيدليات بحدود 500 ولم يرتفع إلى 4500 صيدلية. كما أدى الشغور في المراكز الوظيفية التي يشغلها موظفو الملاك إلى تعاظم بدعة التعاقد في كل الإدارات والمؤسسات العامة.

وإلى ذلك، برزت بدعة أخرى، في وزارة الصحة خصوصاً، وهي انخراط المنظمات الدولية في آلية العمل، حتى باتت الوزارة في بعض العهود وكأنها «ملزّمة» لمنظمة الصحة العالمية والبنك الدولي واليونيسيف وغيرها من المنظمات والسفارة الفرنسية وغيرها.

فباتت المنظمات الدولية وغير الحكومية تتقاسم في ما بينها ما يفترض أنه عمل مؤسسة حكومية، فتُعطى مفتاح الوصول إلى داتا المرضى أو تعدّ الخطط والبرامج التي تصرف فيها وعبرها ملايين الدولارات أو تكلف موظفين من الوزارة بمهمات رديفة، حتى بات ولاء البعض منهم في عز الأزمة المالية للمنظمة التي يتقاضون منها راتباً بالدولار. وقد دفع ذلك التفتيش المركزي، في عهد الوزير فراس أبيض، إلى إرسال كتابين يسأل فيهما عن دور هؤلاء والمهمات التي يتولّونها، بعد ما تردد عن وجود أكثر من 200 موظف من تلك المنظمات في الوزارة، وتحديداً في مركز توزيع الأدوية ومصلحة الوقاية.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى