مناقصة تشغيل وإدارة شركتي الخليوي: متري يسحب الصلاحيات من وزارة الاتصالات

زينب بزي
يدرس مجلس الوزراء في جلسته اليوم اقتراحاً من لجنة وزارية يرأسها نائب رئيس الحكومة طارق متري، يقضي بإيكال مهمّة إعداد دفتر شروط لإطلاق مناقصة إدارة وتشغيل شبكتي «ألفا» و«تاتش»، إلى الهيئة المنظمة للاتصالات بدلاً من وزارة الاتصالات. ويأتي هذا الأمر بعد سنوات من الإدارة المباشرة للشركتين من قبل وزارة الاتصالات التي أحجمت عن إعداد دفتر شروط وإطلاق المناقصة.
إدارة الملف، حتى اللحظة، وبالشكل الراهن، تعيد رسم حدود الصلاحيات داخل القطاع، إذ بات دور وزير الاتصالات محصوراً بالإحالة والمتابعة ورفع الاقتراحات إلى مجلس الوزراء، مقابل صلاحيات أوسع للهيئة المنظمة للقطاع.
في المرحلة الأولى، طُرح الملف وفق الصيغة التقليدية المعتمدة في السنوات الماضية. فقد طلب وزير الاتصالات شارل الحاج تكليفه إعداد دفتر الشروط لإطلاق مناقصة عمومية لإدارة وتشغيل شبكتي الخليوي بناء على القرارات السابقة.
غير أنّ هذا المسار لم يمرّ بسلاسة على ما جرت العادة. فمع تكليف لجنة وزارية بدرس الموضوع، بدأ النقاش يتركز في صلاحيات الهيئة المنظمة، وانتهت اللجنة إلى تحييد غير مباشر لوزير الاتصالات، فأوصت بأن تقوم الهيئة الناظمة بإعداد دفتر شروط جديد يحدّد آلية الإدارة والتشغيل وشروط المنافسة والالتزامات المالية. وهذا ما يضع حداً للإدارة المؤقتة التي غالباً ما كانت تنطوي على طابع سياسي.
وبالتوازي حافظت اللجنة على دور الوزارة من خلال التوصية بتكليفها مراسلة الشركات العالمية العاملة في هذا القطاع لاستطلاع مدى اهتمامها بالمشاركة في المناقصة على أن يُصار إلى إبلاغ مجلس الوزراء بنتائج هذا الاستطلاع ضمن مهلة محددة، وأيضاً بالتنسيق مع الهيئة الناظمة وهيئة الشراء العام لإجراء جردة لأصول شركتي «ألفا» و«تاتش» تمهيداً لإدارتها وتشغيلها عبر مناقصة عامة.
وكان في وقت سابق قد طلب من هيئة التشريع والاستشارات إبداء رأيها في الموضوع. وقد حسمت هذه الأخيرة مسألة الجهة المختصة بإعداد وإطلاق المناقصة بشكل واضح لا لبس فيه، معتبرة أنه يخرج صراحةً من منطق التكليف السياسي لوزير الاتصالات إلى منطق الصلاحية القانونية الأصيلة للهيئة الناظمة للاتصالات. واستندت الهيئة إلى قانون الاتصالات رقم 431/2002 لتؤكد أنّ تنظيم قطاع الاتصالات، ومنح التراخيص، وإعداد دفاتر الشروط الخاصة بها، هي صلاحيات أناطها القانون بالهيئة الناظمة. بهذا المعنى، لا يكتفي رأي هيئة التشريع بتفسير النصوص، بل يعيد رسم حدود الصلاحيات داخل الملف، وينقل مركز الثقل القانوني من الوزارة إلى الهيئة الناظمة، واضعاً مجلس الوزراء أمام خيار واضح.
بناءً على هذه الملاحظات والآراء، جرى تعديل مسار الملف، وبات الطرح يقوم على تكليف الهيئة إعداد دفتر الشروط والعقد، مقابل حصر دور وزير الاتصالات بإجراءات تمهيدية وإدارية. وتجدر الإشارة إلى أنّه لا يمكن فصل هذا التحوّل عن تعيين الهيئة الناظمة للاتصالات بعد سنوات من الشغور. إذ يثير هذا التوقيت تساؤلات عمّا إذا كان التشديد على الالتزام بقانون الاتصالات وإعادة الاعتبار للدور التنظيمي المستقل نابعاً من قناعة مؤسساتية ثابتة، أم أنّه مرتبط عملاً بعودة الهيئة الناظمة إلى العمل وإمكان استخدامها اليوم كإطار قانوني جاهز لإدارة ملف المناقصة، بعدما كان غيابها يبرّر سابقاً تركّز الصلاحيات بيد وزارة الاتصالات.
المهم أنّ الملف المطروح غداً أمام مجلس الوزراء هو نتاج تعديل فرضته هيئة التشريع والاستشارات إلى جانب «ولادة» الهيئة الناظمة، في مواجهة مقاربة أولية كانت تميل إلى إبقاء الملف بيد الوزير. وهو ما يجعل النقاش المرتقب أبعد من كونه تقنياً، ليطال مسألة الصلاحيات والتوازن بين السلطة السياسية والهيئات المستقلة، ويطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت الحكومة ستكرّس فعلياً دور الهيئة الناظمة، وهو امتحان لهذه الهيئة بأن تقود الملفات بشكل شفاف ومهني بعيداً عن التسييس ومصالح النفوذ المتعلقة بالقطاع الخاص، أم ستُبقيه إطاراً شكلياً يُستعاد عند الحاجة فقط، وذلك حرصاً على أهواء ذات طابع سياسي وخاص أحياناً.
الاخبار



