الضريبة الاستثنائية على عمليات صيرفة: عشوائية “الجباية” خارج إطار المنطق

رنى سعرتي
مهلت وزارة المالية من جديد، المكلّفين الذين قاموا بعمليات عبر منصة “صيرفة” تجاوزت قيمتها 15 ألف دولار، لغاية 15 من الشهر الحالي، لتسديد الضريبة المتوجّبة على الربح الناتج عن العمليات التي قام بها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون على منصّة “صيرفة” سندًا لأحكام المادة 93 من قانون الموازنة العامة للعام 2024، على أن تتم إحالة من لم يلتزم بموجباته الضريبية إلى النيابة العامة المالية.
تعتبر هذه الضريبة ضريبة استثنائية مقطوعة بنسبة 17 في المئة، لا تخضع لشرائح تصاعديّة، ولا تُحتسب عليها تنزيلات أو إعفاءات عائلية، وتطبّق على مجموع العمليات المنفذة خلال السنوات الثلاث 2021 و 2022 و 2023، في حال تجاوز مبلغ 15,000 دولار أو ما يعادله، ويُحتسب الربح الخاضع للضريبة على أساس فرق سعر الشراء والبيع خلال تلك الفترة. على أن تُستثنى من هذه الضريبة الفئات غير الخاضعة أصلًا لضريبة الأرباح، ومنهم الأجراء والموظفون الخاضعون فقط لضريبة الرواتب والأجور، شرط عدم ممارستهم أيّ نشاط تجاري أو مهني.
هل إن هذه الضريبة الاستثنائية تعتبر عادلة خصوصًا لمجموع عمليات يبلغ 15 ألف دولار فقط؟ وهل فعلًا يتوجّب تصنيف ما حققه المتداولون على “صيرفة”، أرباحًا خاضعة لضريبة استثنائية، علمًا أن إنشاء “صيرفة” في 2020 كان بحدّ ذاته استثنائيًا بهدف تنظيم السوق بعد انهيار الليرة اللبنانية وتوحيد وتوضيح أسعار الدولار بدلًا من الفوضى الكبيرة التي كانت سائدة في السوق، وبهدف مساعدة الدولة في دفع الرواتب والأجور بسعر أقرب للسوق الحقيقية.
ورغم أن السعر الرسمي عبر “صيرفة” أصبح غالبًا أقلّ من سعر السوق الموازية، وأحيانًا بشكل كبير، إلّا أن العمل بمنصّة “صيرفة” استمرّ رغم أن بعض العمليات الكبرى التي كانت تتمّ عبرها أصبحت معروفة أنها تهدف فقط لتحقيق الأرباح وليس لدعم أسعار السلع الاستهلاكية من خلال شراء التجار والمستوردين الدولارات على سعر “صيرفة”.
وفقًا للبنك الدولي، فإن الأرباح التي تحققت من خلال فارق السعر على المنصّة بلغت أكثر من 2.5 مليار دولار بفعل تداول الأشخاص الطبيعيين والمعنويين عبر “صيرفة”. إلّا أن تلك المبالغ لا تخضع جميعها لضريبة الأرباح لأنها تشمل الأجراء والموظفين.
لماذا تعتبر هذه الضريبة الاستثنائية غير عادلة لجميع المستفيدين من “صيرفة”؟
لأن الاستفادة كانت غير متساوية، ولم يحقق كافة التجار أو المؤسّسات والشركات التي قامت بعمليات يتجاوز مجموعها 15 ألف دولار، أرباحًا مثلما هو مفترض، كما أن بعض من حقق أرباحًا فعلًا، مجهول الهوية ولم يتداول بحساباته المصرفية الشخصية وهويته الفعلية بل عبر أشخاص آخرين، خصوصًا أن “صيرفة” تعرّضت آنذاك لانتقادات كبرى وفقدت الشفافية ووصفت بشبه “صندوق أسود” من دون معلومات واضحة للجمهور.
وبالتالي، فإن الأجدى من أجل تعويض جزء من احتياطي مصرف لبنان الذي فُقد في سبيل دعم “صيرفة” وتأمين الدولارات اللازمة لها، هو فرض ضريبة استثنائية على كلّ من حقق أرباحًا حقيقية، أي المؤسسات أو الأثرياء الذين حوّلوا ملايين الدولارات في السوق وقاموا بشراء الدولارات من جديد عبر “صيرفة” لتحقيق الأرباح، وليس الأفراد أو الشركات التي قامت بعمليات عبر “صيرفة” يبلغ مجموعها 15 ألف دولار خلال 3 سنوات!
هذه الضريبة الواردة بنصّ تشريعي في قانون الموازنة، نافذة قانونًا ما لم يتم إلغاؤها أو الطعن فيها بنجاح أمام القضاء الدستوري الذي أثار في بعض منشوراته جدلًا حول صياغة المادة 93 وطبيعة ما فُرض (بينما أُطلق عليها “غرامة استثنائية” وأحيانًا “ضريبة” معا)، لكن حتى الآن لم يتمّ حذف المبدأ الأساسي الذي يخوّل فرض نسبة 17 %.
ولكن من منظور العدالة الضريبية، يرى البعض أن فرض ضريبة استثنائية بأثر رجعي أو استهداف فئة معيّنة من الأرباح غير الواضحة من قبل، يمكن أن يكون غير عادل أو ظلمًا إن لم تكن هناك قواعد واضحة قبل حدوث العمليات.
في هذا الإطار، اعتبر الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة أن سقف الـ 15 ألف دولار المحدّد لإخضاع الأرباح المحققة عبر “صيرفة” إلى ضريبة استثنائية، سقف غير منطقي يطول الأشخاص الذين استفادوا من “صيرفة” بهدف تحسين وضعهم المعيشي وليس بهدف المراجحة arbitrage وتحقيق الأرباح، مشيرًا إلى أن السقف لا يتماشى أيضًا مع سقف الـ 75 ألف دولار الذي وضعه مصرف لبنان في التعميمين 158 و 166 والذي يحظر الاستفادة من التعميمين على الأشخاص الذين تفوق عملياتهم عبر منصة “صيرفة” 75 ألف دولار.
وشرح عجاقة لـ “نداء الوطن” أن أشخاصًا كثرًا استفادوا فعليًا من “صيرفة” وحققوا أرباحًا طائلة أيضًا، إلّا أن التعاملات عبر “صيرفة” كانت خاضعة لموافقات مسبقة وخاضعة لسقوف محدّدة كما أن كافة العمليات التي تمّت عبرها مسجّلة لدى المصارف ومصرف لبنان والصيارفة، وبالتالي كان من الأجدى بوزارة المالية أن تدقق في تلك العمليات وتفرض ضريبة استثنائية وفقًا لكلّ ملف أو عملية أو فرد طبيعي ومعنوي، وليس بالشكل المقطوع بنسبة 17 في المئة على كافة العمليات التي تفوق 15 ألف دولار. معتبرًا أن الضريبة يمكن أن تكون تصاعدية وتبدأ من 1 أو 2 في المئة على مجموع العمليات التي تبلغ 15 ألف دولار وتصل إلى 30 أو 40 في المئة على العمليات أو الملفات التي يؤكد التدقيق بها، أنها ناتجة عن عمليات مراجحة، خصوصًا أن المعلومات والأسماء والمبالغ موثقة وموجودة!
ولفت عجاقة إلى إمكانية ربط العمليات عبر “صيرفة” بعملية شراء الشيكات التي كانت تتم حينها من قبل أفراد وكيانات، علمًا أن من عمل في تلك الفترة في تجارة شراء وبيع الشيكات يمكن ترصّده من خلال حركة حساباته، وهو نفسه الذي استفاد من “صيرفة” أيضًا لتحقيق الأرباح ويستحق ربما فرض ضريبة أرباح استثنائية عليه.
لذلك، رأى عجاقة أن الطريقة الأنسب والأكثر عدالة لفرض هذه الضريبة تفترض أن تكون الضريبة تصاعدية، تأخذ في الاعتبار نوع وطبيعة ونمط العمليات بشكل منفرد case by case بالإضافة إلى إمكانية ربط تلك العمليات بتجارة الشيكات المصرفية.
نداء الوطن



