اخر الاخبارعربي ودوليهام

اصطفاف أوروبي أعمى خلف أميركا: نحن «كومبارس» الحرب

سعيد محمد

لندن | في الوقت الذي تشهد فيه إيران موجةَ احتجاجات مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وجدت العواصم الغربية نفسها في سباق محموم لإصدار بيانات الإدانة وفرض مزيد من العقوبات على طهران، توازياً مع تسهيل جليّ لخروج تظاهرات أنصار نظام الشاه السابق، في العديد من المدن الرئيسة. ومع ذلك، يكشف التحليل الدقيق للمواقف الأوروبية والبريطانية والكندية والأسترالية، عن مفارقة استراتيجية عميقة: فبينما تسارع هذه الدول إلى الالتحاق بركب التصعيد الأميركي الذي يقوده الرئيس دونالد ترامب، فإنها تفقد طوعاً ورقة مساومة حيوية كان يمكن توظيفها لكبح جماح «التغوّل الأميركي» الذي بات يهدّد مصالح الغرب نفسه، بدءاً بتهميش أوروبا في ملفّ الحرب الأوكرانية، مروراً بالضغوط الاقتصادية، وصولاً إلى التهديدات بابتلاع غرينلاند، وضمّ كندا.

وبرز الموقف الألماني بوصفه التحوُّل الأكثر حدّة في التعاطي مع الحدث الإيراني، بعدما تبنّى المستشار، فريدريش ميرتس، لهجة عدائية قطعية، معلناً من الهند أن النظام الإيراني يعيش «أيامه أو أسابيعه الأخيرة»، معتبراً أن «أيّ سلطة لا تستطيع البقاء إلّا بالعنف، تكون قد فقدت شرعيتها». وكانت برلين انضمّت إلى باريس ولندن في إصدار بيان مشترك يدين «بأشد العبارات» ما وصفته تلك الأطراف بـ«قتل المتظاهرين»، في حين ندّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، باستخدام «عنف الدولة» ضدّ المتظاهرين، وأكّد تضامن بلاده مع «مطالب الإيرانيين». وبدوره، دعا رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ووزيرة خارجيته إيفيت كوبر، السلطات الإيرانية إلى وقف العنف فوراً، وأشادا بـ«شجاعة» المحتجّين. واستدعت وزارتا الخارجية في كلّ من باريس ولندن، أيضاً، الدبلوماسيين الإيرانيين للاحتجاج.
وبحسب ما أوردته الصحف البريطانية، فإن حكومة ستارمر تتعرّض لضغوط سياسية وإعلامية في شأن تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني منظّمة إرهابية، وهو ملف يُنظر في تفاصيله القانونية لدى وزارة الداخلية. ويأتي ذلك فيما شهدت العاصمة لندن، تظاهرة واسعة للمعارضين الإيرانيين، وتعرَّض مقرّ السفارة الإيرانية لاعتداء، رُفع خلاله علم ما قبل ثورة 1979، ما زاد من حدّة التوتّر الدبلوماسي مع طهران، التي استدعت، بدورها، السفيرة البريطانية لديها للاحتجاج.

من جهتها، أعربت رئيسة المفوّضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، عن «إدانة لا لبس فيها» لما وصفته بـ«القمع العنيف» للاحتجاجات، مؤكّدة أن حقّ التظاهر والتعبير يجب أن يُحترم. ولاحقاً، أعلنت الممثّلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، استعدادها لاقتراح حزمة عقوبات إضافية تستهدف مؤسسات وأفراداً مرتبطين بتنفيذ إجراءات الحكومة الإيرانية ضدّ المحتجّين، مشيرة إلى أن الاتحاد يملك أصلاً منظومة عقوبات واسعة على إيران تشمل حقوق الإنسان والبرنامج النووي والدعم العسكري لروسيا في حرب أوكرانيا.
في السياق نفسه، قرّرت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، حظر دخول الدبلوماسيين الإيرانيين وممثّلي النظام إلى مباني البرلمان في بروكسل واستراسبورغ ولوكسمبورغ؛ كما أعادت طرح فكرة إدراج «الحرس الثوري» في قائمة الإرهاب الأوروبية، وهي خطوة لطالما قوبلت بتحفّظات قانونية وسياسية داخل الاتحاد، بسبب اشتراط صدور أحكام قضائية وطنية تسبق أيّ تصنيف جماعي.

تكشف أزمة إيران محدودية قدرة الأطراف الغربية على التأثير في مسارات الأحداث الدولية


وعلى المنوال نفسه، أصدرت كندا، التي لا تربطها علاقات دبلوماسية مع إيران منذ عام 2012، موقفاً شديد اللهجة مما يجري؛ إذ وصف رئيس وزرائها مارك كارني، ووزيرة خارجيتها أنيتا أناند، الإجراءات التي تتّخذها طهران بأنها «مقلقة للغاية»، وأكّدا دعم بلادهما لـ«حقّ الإيرانيين في التعبير». وحظي الموقف الرسمي الكندي بإجماع سياسي داخلي، وبتأييد واضح من المعارضة اليمينية المحافظة، فيما شهدت المدن الكندية الكبرى تظاهرات للجالية الإيرانية تطالب بتشديد العقوبات، ودعم الاتصالات البديلة بعد قطع الإنترنت.
أمّا أستراليا فأصدرت تحذيراً عاجلاً إلى مواطنيها لمغادرة الأراضي الإيرانية فوراً، في مؤشّر إلى تقدير أمني متشدّد. وانضمت وزيرة خارجيتها، بيني وونغ، إلى بيان مشترك مع الاتحاد الأوروبي وكندا يدين «قمع السلطات الإيرانية للاحتجاجات»، ويؤكد ما يسمّيه الوقوف إلى جانب «الشعب الإيراني في مواجهة نظام قمعي».

في المقابل، بدا رئيس الوزراء الفرنسي الأسبق، دومينيك دو فيلبان، وكأنه يغرّد خارج سرب الأطراف الغربية جميعها، بعدما حذّر من أن أيّ تدخل عسكري خارجي في إيران قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية أوسع، داعياً إلى استخدام قنوات ضغط غير مباشرة، واعتماد الحوار والوسائل الدبلوماسية. وإذ يعكس موقف دو فيلبان تبلور تيار ديغولي جديد ضمن النخب الفرنسية، يرى في الاستقلال النسبي عن السياسة الأميركية عنصراً أساسياً للاحتفاظ بدور دولي لباريس، فهو يطرح سؤالاً استراتيجياً أوسع حول كلفة الاصطفاف المجاني خلف الولايات المتحدة. فالدول الأوروبية، عبر تبنّيها شبه الكامل للمقاربة الأميركية، تخسر فرصة استخدام الملفّ الإيراني كورقة تفاوضية في مواجهة تغوّل واشنطن في ملفات أخرى تعنيها مباشرة، أبرزها الحرب في أوكرانيا، والنزاع حول غرينلاند، والضغوط الاقتصادية والجمركية، وصولاً إلى التهديدات المباشرة لكندا وشركاء آخرين.

وكان في إمكان الاتحاد الأوروبي، نظريّاً، أن يستثمر موقعه كقوّة اقتصادية ودبلوماسية مستقلّة نسبيّاً لبلورة مسار مختلف، يوازن بين الضغط على طهران، والحفاظ على هامش مناورة استراتيجي مع واشنطن. إلّا أن الخشية من إغضاب الإدارة الأميركية، في لحظة تشهد إعادة تشكُّل النظام الدولي، دفعت الأوروبيين إلى خيار الاصطفاف الذليل، على حساب بناء نفوذ مستقلّ.
وبعد فنزويلا، تكشف أزمة إيران محدودية قدرة الأطراف الأوروبية على التأثير في مسارات الأحداث الدولية، وفقدانها كلّ أدوات المبادرة الاستراتيجية. ويأتي ذلك في وقت تتصاعد فيه تهديدات واشنطن تجاه حلفائها التقليديين – من الرسوم الجمركية العقابية، إلى استخدام محض القوّة لتغيير البيئة الأمنية في قلب أوروبا والقطب الشمالي والمحيط الهادي -، ليجد هؤلاء أنفسهم مرّة أخرى في موقع التابع، مضيّعين فرصة تحويل أزمة خارجية إلى رافعة سياسية.

الأخبار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى