التعليم غير النظامي بوابة للهدر والفساد: من سرق أموال المعلمين؟

فاتن الحاج
عندما دفعت وزارة التربية حوافز أو بدلات إنتاجية للأساتذة والمعلمين في التعليم الرسمي بين عامَي 2022 و2024، سواء عبر الجهات الدولية المانحة أو عبر سلفة خزينة بقيمة 150 مليون دولار، كان رئيس مصلحة التعليم الخاص عماد الأشقر يتولى مهمات المديرية العامة للتربية بالإنابة.
وفي الحالتين، كانت الحوافز تصل إلى الأساتذة أقل بدولار واحد من المبلغ الشهري المخصّص لكل منهم، في وقت كانت شركة تحويل الأموال تتقاضى عمولتها مباشرة من الجهات المانحة. وبذلك، تبيّن أن نحو 65 ألف دولار شهرياً (عن حوالى 65 ألف أستاذ) كانت تُحوَّل إلى وزارة التربية، من دون أن يُعرف لمن كانت تؤول هذه المبالغ أو كيف كانت تُصرَف.
لاحقاً، اكتشفت منظمة «اليونيسف» وجود فوضى كبيرة في آلية الصرف، إذ تبيّن أن بعض الأساتذة كانوا يتقاضون الحوافز وهم خارج الأراضي اللبنانية، فيما كان آخرون يقبضون من دون الالتزام بالدوام، ما دفع المنظمة الدولية في نهاية المطاف إلى وقف الدعم المالي.
عندها لجأ وزير التربية السابق، عباس الحلبي، إلى الحصول على سلفة خزينة بقيمة 150 مليون دولار، مقسّطة على ثلاث دفعات، لتأمين حوافز للمعلمين بقيمة 300 دولار لكل منهم. وهذه السلفة تُعدّ، وفقاً لقانون المحاسبة العمومية، ديناً على وزارة التربية، وكان يفترض بمديرية المحاسبة في الوزارة تصفيتها أصولاً.
إلا أن صرف الحوافز استمر وفقاً للآلية السابقة نفسها، ومن خارج دائرة المحاسبة في وزارة التربية. ولو جرى الصرف وفقاً للأصول، على غرار الرواتب الأساسية، لكانت الإدارة قادرة على كشف «الألاعيب»، خصوصاً أنها تملك كامل المعطيات المتعلقة بالأساتذة، ولا سيما عدد أيام الحضور وبدل النقل، بحكم تنظيمها الجداول وإحالتها إلى وزارة المال، علماً أن صرف الحوافز كان مشروطاً بالمواظبة على الدوام لمدة 16 يوماً.
هذا يعني أن الصرف كان يجري من دون أي رقابة فعلية، إذ كانت المدارس ترفع جداول ساعات التعليم مباشرة إلى الأشقر، وإلى مديرة مكتبه جورجيا الهاشم، التي كانت تتولى تنظيم جداول الصرف وإرسالها إلى شركة تحويل الأموال. علماً أن الهاشم ليست موظفة في وزارة التربية ولا متعاقدة معها، بل جرت الاستعانة بها في البداية بموجب عقد مع منظمة اليونسكو بقيمة 7 آلاف دولار شهرياً. وبعد إلغاء العقد، أبرما عقداً جديداً مع الجهات المانحة بقيمة 10 آلاف دولار أميركي شهرياً.
وفقاً لهذه الآلية، كان الأستاذ يقبض 299 دولاراً بدلاً من 300 دولار، ويفترض أن الدولار المقتطع يذهب عمولة لشركة تحويل الأموال، غير أن مراجعة الشركة أظهرت أن الحسم صادر عن وزارة التربية نفسها.
65 ألف دولار شهرياً من حوافز الأساتذة حُولت إلى وزارة التربية من دون أن يُعرف لمن أو كيف كانت تُصرَف
ورغم لجوء الوزارة إلى سلفة خزينة لتأمين الحوافز، استمرّ الحسم من المبالغ المصروفة، علماً أن هذه الأموال تُعدّ أموالاً عمومية تخضع لأحكام قانون المحاسبة العمومية، ولرقابة ديوان المحاسبة، وكان يفترض تصفيتها من قبل مديرية المحاسبة في وزارة التربية. فهل كانت هذه المديرية تقوم فعلاً بعملية التصفية؟ وإذا كانت تفعل ذلك، فكيف يمكنها تصفية أموال لا تشرف أصلاً على آلية صرفها؟ وهذا، وفقاً لمصادر متابعة، «يعدّ شكلاً من أشكال الهدر أو السرقة الممنهجة للمال العام ويستوجب تحقيقاً جاداً من النيابة العامة المالية وديوان المحاسبة ووزارة المال».
التعليم غير النظامي
إلى ذلك، ثمّة ملف لا يقلّ خطورة عن قضية سرقة أموال الأساتذة، يتعلّق بالجمعيات التي تتولى تقديم التعليم غير النظامي (عبر برامج خاصة منفصلة عن المناهج الرسمية) بتمويل من «اليونيسف». ويُوجَّه هذا النوع من التعليم أساساً إلى التلامذة النازحين السوريين الذين يعجز النظام التربوي في لبنان عن استيعابهم، إمّا بسبب أعمارهم، أو مستوياتهم التعليمية، أو نتيجة الأزمات المتعاقبة التي ضربت البلاد، وأدت إلى خروج أعداد كبيرة من الأطفال من النظام المدرسي، في ظل افتقار التعليم النظامي إلى المرونة الكافية لاستيعابهم، ما دفع الإدارات التربوية إلى البحث عن بدائل تعليمية.
وفي ظلّ غياب أي نصوص قانونية تعترف بالتعليم غير النظامي أو تحدّد آليات انتقال الطالب منه إلى التعليم النظامي (الذي يُقدَّم في المدارس الرسمية أو الخاصة)، أُنيطت إدارة هذا الملف أيضاً بالأشقر والهاشم، وسط تعتيم وتكتم على البيانات المتعلقة بأعداد التلامذة والجمعيات المعنية. والمفارقة أن الشخصين اللذين كانا يعاونان الأشقر في هذا الملف، أي مايا مداح وجوليان جلخ، انتقلا لاحقاً إلى مكتب وزيرة التربية ريما كرامي بعد تولّيها الوزارة، إذ عُيّنت الأولى مستشارة بموجب عقد مع منظمة «اليونيسف»، فيما أُلحِق الثاني بمكتب الوزيرة.
المستغرب أن الأشقر كان يسمح للطلاب بتقديم طلبات إلى وزارة التربية تحت عنوان «تسوية الأوضاع»، ليُحيل هذه الطلبات إلى مديرية الإرشاد والتوجيه غير المقوننة، بذريعة أنها تضم نحو 700 أستاذ من مختلف الاختصاصات، وقادرة على إجراء اختبارات للطلاب «غير النظاميين» لتحديد مستواهم الأكاديمي والصف «النظامي» الذي يمكن أن يلتحقوا به لتشريع أوضاعهم، من دون أي أطر قانونية واضحة، تمهيداً لتسجيلهم في المدارس – الدكاكين.
وربما تكمن النقطة المركزية في هذا الملف في أن وزارة التربية تصرّفت بمعزل عن وزارة الشؤون الاجتماعية، رغم أن اجتماعاً عُقد بين الحلبي ووزير الشؤون الاجتماعية السابق هيكتور حجار، اتُفق خلاله على تجميد المشروع وتشكيل لجنة ثلاثية تضم الوزارتين واليونيسف، لدراسة أهداف المشروع وآلية العمل. كما تعهّدت اليونيسف بإيداع الوزارتين ملفاً كاملاً حول مشروع التعليم غير النظامي، ليُبنى على أساسه القرار المتعلق بمساره ومتابعته بصورة رسمية تراعي مصالح جميع المعنيين.
غير أنه لم يمض وقت طويل قبل أن تستأنف وزارة التربية المشروع بصورة منفردة ومن دون علم الحجار الذي كان قد أبلغ الجمعيات المعنية بوقف العمل بالمشروع.
وللمفارقة، فإن وزيرة التربية نفسها كانت تدير أحد مشاريع التعليم غير النظامي، ما يطرح تساؤلات مشروعة عمّا إذا كان هذا الترابط مجرّد مصادفة، ولماذا تلتزم كرامي الصمت إزاء الكمّ الكبير من المخالفات التي تُنسل إلى الأشقر، وآخرها ما كشفته «الأخبار» عن تحايل على القانون بهدف الترخيص لمدرسة خاصة، رغم رفض المحافظ ورئيس الجمهورية، ناهيك بسلسلة من المخالفات، من بينها بيع موافقات استثنائية غير قانونية للمدارس الخاصة للعام الدراسي 2025 – 2026، رغم قرار مجلس الوزراء بعدم التجديد، وابتزاز إدارات مدارس وفرض رشى مقابل تمرير ملفاتها، وتهميش رؤساء دوائر لإرضاء شخصيات نافذة ومتعهدين متعاقدين، فضلاً عن الاستخدام غير القانوني لأموال الجهات المانحة، عبر تحويلها إلى جهات غير شرعية وحرمان المعلمين منها.
ما يجري ليس سوى نهبٍ منظّم ومغطّى سياسياً لأموال اليونيسف، والدول المانحة، ولأموال الدولة اللبنانية، في ظلّ منظومة متكاملة من التزوير والرشاوى والابتزاز، وغيابٍ شبه كامل لأي محاسبة. وتبقى هذه المخالفات الجسيمة برسم النيابة العامة التمييزية، وديوان المحاسبة، والتفتيش المركزي، ورئيس الجمهورية، لتحمّل مسؤولياتهم وفتح تحقيقات شفّافة وجدية.
الاخبار



