اخر الاخبارمقالات وقضاياهام

لودريان في بيروت: زيارة مفصليّة… من وقف النار الى دعم دولي مشروط


دوللي بشعلاني

تحطّ الديبلوماسية الفرنسية برئاسة مبعوث الرئيس الفرنسي الخاص جان-إيف لودريان في بيروت الأسبوع المقبل في توقيت بالغ الحساسية، وسط مشهد إقليمي ودولي متسارع، وفي ظلّ أزمات أمنية وسياسية واقتصادية متشابكة يمرّ بها لبنان. وتأتي الزيارة في لحظة مفصلية تتكثف فيها الضغوط الدولية لإعادة وضع الملفات اللبنانية العالقة على مسار عملي، بعد فترة طويلة من الجمود.

وكان لودريان قد أرجأ زيارته إلى ما بعد تقرير قائد الجيش العماد رودولف هيكل حول نتائج المرحلة الأولى من الخطة الأمنية التي شملت نزع السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني، والاستعداد للمرحلة الثانية شماله. ومن المقرّر أن يلتقي الموفد الرئاسي الفرنسي رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه برّي، ورئيس الحكومة نوّاف سلام يوم الأربعاء المقبل، إضافة إلى مسؤولين سياسيين وأمنيين، في إطار محادثات شاملة تتناول ملفات الأمن، الإصلاحات، الاقتصاد، والاستقرار السياسي.

وتندرج زيارة لودريان، في سياق أوسع من التحرّك العربي والغربي تجاه لبنان، بعد موجة زيارات ديبلوماسية شهدتها بيروت أخيرا، ما يعكس تناميًا في الاهتمام الدولي بإعادة تحريك الملف اللبناني، خصوصا في ظلّ المخاوف من تدهور أمني أو انهيار اقتصادي أعمق. وبحسب مصادر ديبلوماسية مطّلعة، فإن لودريان يحمل معه مهمات متعددة الأبعاد، تستند إلى مؤشرات واضحة على إرادة فرنسية وأوروبية لدفع لبنان نحو حلول عملية، شرط التزامه بالإصلاحات المطلوبة. وخلال زياراته السابقة، شدّد لودريان على ضرورة انخراط السلطات اللبنانية في إصلاحات هيكلية جدية كمدخل أساسي لإعادة فتح أبواب الدعم المالي الدولي.

وقد أكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التزام بلاده بدعم لبنان عبر تنظيم مؤتمرين دوليين: الأول، مخصّص لدعم الجيش اللبناني، والثاني لدعم الانتعاش الاقتصادي، برعاية فرنسية –أميركية – سعودية مشتركة. غير أنّ هذا الدعم لم يعد غير مشروط، بل بات مرتبطا بإنجاز إصلاحات ملموسة تشمل الشفافية المالية، الإصلاح المصرفي، مكافحة الفساد، وتحسين مناخ الاستثمار.

من هنا، تكتسب زيارة لودريان، على ما تلفت المصادر نفسها، طابعًا يتجاوز الوساطة السياسية، لتشكّل رسالة دولية واضحة مفادها أنّ الدعم مرهون بخطوات عملية على الأرض. ووفق مصادر فرنسية، على ما تنقل، فإنّ أحد الأهداف الأساسية للزيارة يتمثّل في تهيئة الأرضية السياسية والتقنية للمؤتمرين الدوليين المرتقبين، في مسعى لإعادة دمج لبنان ضمن شبكات الدعم الدولية بعد الأزمة المالية الخانقة.

وتتركّز الأجندة التي يحملها لودريان، على ما تشير المصادر المطلعة، على ثلاثة محاور رئيسية:

1- ملف التهدئة والأمن في الجنوب، والذي يحتلّ صدارة الاهتمام الفرنسي، رغم التمديد الأخير لقوات “اليونيفيل”. فالهشاشة الأمنية لا تزال قائمة بفعل الخروقات “الإسرائيلية” المتكرّرة، ما يثير المخاوف من تجدّد التصعيد، لا سيما مع التهديد “الإسرائيلي” المستمرّ بالعودة إلى الحرب. وفي هذا الإطار، تدعم باريس تعزيز دور الجيش اللبناني في تثبيت الاستقرار جنوب الليطاني، وتولي أهمية خاصة لتنشيط عمل لجنة المراقبة “الميكانيزم” بهدف الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة. وترى باريس أنّ الجيش يعمل جيدا إلى حدّ كبير، لكن الاختبار الحقيقي سيكون شمال الليطاني، ولا سيما أنّ “الإسرائيليين” يُبقون كلّ الخيارات مفتوحة.

2- الإصلاحات والاقتصاد. ففرنسا تعتبر أنّ أي دعم دولي مستدام للبنان يمرّ حكما عبر استكمال الإصلاحات البنيوية. وتثمّن باريس إقرار الحكومة اللبنانية أخيرا قانون الفجوة المالية لمعالجة الأزمة المصرفية وحلّ مشكلة الودائع، معتبرةً ذلك خطوة أولى على طريق استعادة الثقة بالنظام المالي وجذب الاستثمارات، وخطوة أولى على سكّة الإصلاح وعودة التعافي.

3- التحضير لمؤتمري الدعم الدوليين، إذ تعتبر فرنسا أنّ استعادة الثقة الدولية بلبنان لا يمكن أن تتحقّق من دون تنفيذ إصلاحات مالية ومصرفية وإدارية جدية. كما يُعدّ تعزيز الدعم للجيش اللبناني ركنًا أساسيا في مقاربة الاستقرار، ولهذا تقترح باريس عقد المؤتمر الدولي الخاص بدعم الجيش والقوى الأمنية في أواخر شباط أو أوائل آذار المقبلين، بمشاركة دولية واسعة.

ورغم الطابع الداعم للزيارة، تشير المصادر المطلعة إلى عقبات جدية قد تحدّ من نتائجها. في مقدّمها الخلافات الداخلية حول ملف السلاح وسيادة الدولة، والتي تعرقل إعادة الانتظام المؤسساتي وتتناقض مع شروط بعض الجهات المانحة. كما تبرز الانقسامات السياسية حول وتيرة الإصلاحات، إذ تجد باريس أنّ البطء في تنفيذها يضعف فرص لبنان في استعادة ثقة المجتمع الدولي.

إلى جانب ذلك، تؤدي الضغوط الإقليمية والدولية المتشابكة دورا مؤثرا، خصوصا في ما يتصل بالملف السوري والعلاقات الإقليمية. وفي هذا السياق، تعمل فرنسا بالتنسيق مع الولايات المتحدة والسعودية، إلا أنّ تعقيدات المشهد الإقليمي تبقى عاملًا ضاغطا على أي تقدّم محتمل.

وإذ تتزامن زيارة لودريان مع زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت في الأيام المقبلة، تتوقّع المصادر الديبلوماسية أن تكون هناك محادثات لبنانية-سعودية مهمة على خط السياسة والأمن والاقتصاد. وهذا الأمر يشير إلى تعاون عربي-غربي غير مسبوق في دعم لبنان، وقد يُشكّل ذلك فرصة لتخفيف الاحتقان الإقليمي والتقدّم في مسارات سياسية واقتصادية مهمة.


وتخلص المصادر إلى القول إنّ زيارة لودريان تشكّل محطة مفصلية في التفاعل الدولي مع لبنان، إذ تفتح نافذة لإعادة التموضع دوليا، شرط أن تواكبها خطوات لبنانية جدية تترجم التعهّدات إلى إنجازات ملموسة. كما أنّ النتائج العملية لها ستُقاس بمدى قدرة القوى اللبنانية على التحرّك بخطوات ملموسة بعد الزيارة.

الديار

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى