استثمار أميركي – إسرائيلي مُعلَن في الاحتجاجات: إيران تهدّد بردٍّ استباقي

محمد خواجوئي
طهران | تواجه إيران، في المرحلة الراهنة، تحدّيَيْن رئيسَيْن، يتمثّل أولهما في الاحتجاجات الداخلية التي تتّجه نحو التحوّل إلى حالة من عدم الاستقرار والاضطرابات؛ وثانيهما، التهديدات الخارجية الصادرة عن كل من الولايات المتحدة والكيان الإسرائیلي، والتي يؤكد المسؤولون الإيرانيون في مواجهتها أن طهران لن تتهاون لا مع «مثيري الشغب» في الداخل، ولا مع «الأعداء الخارجيين».
ومع دخول الاحتجاجات يومها الثاني عشر، شهد سوق العاصمة، خلال اليومَين الماضيَين، إضراباً وتظاهرات على خلفية الانخفاض المتجدّد لسعر صرف الريال الإيراني مقابل الدولار، فيما شهدت بعض المدن في غرب إيران، ولا سيما في محافظة إيلام، توتّرات أمنية. وممّا يميّز هذه الاحتجاجات التي انطلقت في الـ28 من الشهر الماضي، تركّزها بدرجة أكبر في المدن الصغيرة، التي تسجّل أعلى معدّلات الفقر والبطالة، والتي تحوّلت التظاهرات فيها في الغالب إلى مواجهات عنيفة بين المحتجّين وقوات الأمن. أيضاً، تختلف الموجة الحالية عن تلك التي شهدها عام 2021، في أن الأخيرة قادتها في الأساس وجوه من الطبقة الوسطى الإيرانية، وتركّزت حول مطالب تتعلّق بحقوق المرأة، فيما كانت المدن الكبرى مسرحاً لأوسع التجمّعات الاحتجاجية التي تخلّلتها.
وفي إشارته إلى الفرق بين «الاحتجاج» و»الشغب»، قال القائد العام للشرطة الإيرانية، العميد أحمد رضا رادان، أمس: «أطمئن الشعب إلى أنه سيتمّ التعامل قانونيّاً مع جميع عناصر الشغب حتى آخر فرد منهم»، في حين أعلن رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجئي، أن البتّ في «ملفات أعمال الشغب» يأتي في صدارة أولويات عمل هذه المؤسسة، داعياً، في الوقت نفسه، القوات الأمنية إلى «توثيق إجراءاتها وتسجيلها بشكل مستند ومبرّر». وجاءت تلك التصريحات، على خلفية بعض الإجراءات التي نفّذتها قوات الأمن، خصوصاً في محافظة إيلام، حيث اقتحمت أحد المستشفيات بهدف اعتقال محتجّين، ما دفع الرئيس مسعود بزشكيان إلى تكليف وزير الداخلية بمتابعة القضية والتحقيق في ملابساتها.
وفي ظلّ هذا الوضع المتأزّم، أقدمت حكومة بزشكيان على خطوة عالية المخاطر، تمثّلت في تنفيذ خطّة توحيد سعر الصرف، التي جرى بموجبها إلغاء العملة التفضيلية المخصّصة لاستيراد المواد الغذائية، في مقابل تخصيص دعم نقدي شهري بقيمة 10 ملايين ريال لكلّ فرد. وأدّى هذا الإجراء إلى ارتفاع مفاجئ في أسعار بعض السلع الغذائية الأساسية، من مثل زيت الطهو والبيض ولحوم الدجاج، بمقدار يُراوِح بين ضعفين وثلاثة أضعاف.
«إيران تَعتبر تصعيد خطاب الأعداء ضدّها، تهديداً، ولن تدعه يستمرّ من دون ردّ»
وتبرّر الحكومة خطوتها تلك بمحدودية مواردها، التي تعتبر أن توجيهها عبر آلية العملة التفضيلية للمستوردين، أسهم في تفشّي الفساد وخلق شبكات من الريع. غير أن منتقدين يرون أن توقيت تنفيذ الخطّة غير مناسب في ظلّ الأوضاع المتوتّرة في البلاد، وأن قيمة الدعم النقدي المُخصّص لا تكفي لتعويض الارتفاع الحادّ في الأسعار، وقد تسهم في تأجيج موجة جديدة من الاعتراضات الشعبية.
وفي خضمّ الاضطرابات الداخلية، تصاعدت في الوقت ذاته الضغوط والتهديدات الأميركية – الإسرائيلية ضدّ الحكومة الإيرانية، في حين تسعى السلطات الإيرانية إلى تحدید خطوطها الحمر وتعزيز معادلة الردع، مؤكّدة أنها، في حال استمرار التهديدات من قبل «الأعداء»، فإنها قد لا تنتظر مبادرتهم إلى أيّ عمل، بل تحتفظ لنفسها بحقّ اتّخاذ خطوات استباقية. وقال القائد العام للجيش الإيراني، اللواء أمير حاتمي، إن «إيران تَعتبر تصعيد خطاب الأعداء ضدّها، تهديداً، ولن تدعه يستمرّ من دون ردّ. القوات المسلّحة الإيرانية ستقطع اليد التي تعتدي على بلادنا». ولفت حاتمي إلى أن «الاحتجاجات أمر طبيعي في أيّ بلد، لكن ما هو غير مألوف وغير معتاد، هو تحوُّل الاحتجاج إلى أعمال شغب في وقت قصير جداً. وبلا شك، فإن الأعداء وراء هذه المؤامرات». وأضاف: «احتجاجات الشعب الإيراني النقابية لا علاقة لها برئيس الولايات المتحدة ورئيس وزراء الكيان الصهيوني المجرم. كان سلوك شعبنا العزيز بصيص أمل ونقطة مضيئة في هذه الأحداث، وقد تصرّف الشعب بيقظة شديدة».
وفي سياق متّصل، حذّرت أمانة مجلس الدفاع الإيراني، في بيان صدر الثلاثاء، من أن إيران، وفي إطار «الدفاع المشروع»، لا تَعتبر نفسها «مقيّدة بالردّ بعد وقوع الفعل». وفيما لم يوضح البيان بشكل صريح المقصود بمفهوم «الردّ بعد الفعل»، إلّا أنه أشار إلى أن الجمهورية الإسلامية «تعدّ المؤشرات العينية للتهديد جزءاً من معادلتها الأمنية». ويبدو أن هذا البيان صدر ردّاً على المواقف الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو، حول تعامل السلطات الإيرانية مع المحتجّين، وكذلك احتمال متابعة طهران لبرنامجَيها الصاروخي والنووي. وكان ترامب حذّر مرّتين، خلال عشرة أيام من الاحتجاجات الإيرانية، من أنه إذا قامت السلطات بقتل محتجّين سلميين، فإن واشنطن «ستوجّه ضربة قوية ضدّ طهران». كذلك، نشرت وزارة الخارجية الأميركية رسائل باللغة الفارسية لدعم المحتجين، في حين شارك السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام، صورة لنفسه يقدّم فيها إلى ترامب قبّعة مكتوبةً عليها عبارة «لنُعِد العظمة إلى إيران». ومن جهته، نشر نتنياهو وغيره من كبار المسؤولين الحكوميين والأمنيين في الکیان، العديد من الرسائل الموجّهة إلى الإيرانيين، زاعمين أنهم «يدعمونهم».
وممّا جاء في البيان الصادر عن أمانة مجلس الدفاع الإيراني، في ردّ مباشر على المواقف الآنفة، أنه «يمكن فهم الخطاب الحادّ القائم على التهديدات والتدخّل، والذي يتجاوز الموقف اللفظي، على أنه سلوك عدائي؛ وهو مسار سيؤدّي استمراره إلى ردّ فعل متناسب وحاسم، وتقع المسؤولية الكاملة عن العواقب على عاتق مخطّطي هذه العملية». وأضاف البيان: «تؤكّد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، انطلاقاً من تماسكها الوطني وقدرتها الشاملة على الردع وجاهزيتها الدفاعية الكاملة، مجدّداً، أن أمن البلاد واستقلالها وسلامة أراضيها خطّ أحمر لا يمكن تجاوزه. وأيّ اعتداء على المصالح الوطنية، أو تدخّل في الشؤون الداخلية، أو عمل يُهدّد استقرار إيران، سيُقابَل بردّ متناسب ومُستهدف وحاسم». يُذكر أن مجلس الدفاع في إیران هو هيئة دفاعية – عسكرية تأسّست عقب حرب الـ12 يوماً، وهو يمثّل تشكيلاً فرعيّاً تابعاً للمجلس الأعلى للأمن القومي.
الاخبار



