عن حسابات الإمارات الخاطئة: كيف ربحت السعودية معركة الجنوب؟

حسين إبراهيم
أظهرت الأحداث الأخيرة في اليمن، أن الإمارات خطت خطوة أكبر ممّا تستطيع أن تفعل، وذلك عبر إدارتها عملية سيطرة «المجلس الانتقالي الجنوبي» على محافظتَي حضرموت والمهرة شرقيّ اليمن، التي لم تكن تهديداً لأمن السعودية فقط، وإنما أيضاً إهانة لا تستطيع الأخيرة السكوت عنها. والواقع أن رئيس الإمارات، محمد بن زايد، المعروف بالدهاء، لم يكن ليُقْدم على ما أَقْدم عليه، لولا التشجيع الأميركي الضمني الذي تَمثّل في صمت واشنطن الرسمي على الحدث الكبير، ولولا مؤازرة إسرائيل التي واكبت ما جرى بالاعتراف بـ«صوماليلاند» الواقعة على الضفة المقابلة من خليج عدن. هكذا، بدا المشهد وكأنه عملية إطباق إماراتي – إسرائيلي على تلك المنطقة الحيوية، غرضها إضعاف صنعاء، وتمهيد الطريق لتحقيق هدف لم تستطع الحملات الجوية الغربية والإسرائيلية بلوغه على مدى عامين. لكن ذلك ما كان ليمرّ، حتماً، إلّا عبر تهديد أمن السعودية، التي ساعدها تموضعها السياسي هذه المرّة في أن تكون على الجانب الرابح في مواجهة هذا التهديد، ولا سيما مع رفضها طوال عامَي حرب «طوفان الأقصى» الانخراط فيها ضدّ صنعاء، واستمرارها في اعتماد التهدئة مع إيران و«أنصار الله»، وهو ما أكسبها أيضاً وقوف دول الخليج الأخرى، ولا سيما قطر وسلطنة عمان، إلى جانبها، فضلاً عن التعاطف العربي الواسع الذي حظيت به نتيجة التهديد الذي تعرّضت له.
هذا النوع من السياسات التي انتهجتها المملكة، كان من شأنه أن يؤمّن تغطية سياسية فعّالة للهجوم السريع والناجح الذي شنّته قوات «درع الوطن» الموالية للرياض، لاستعادة المحافظتَين، وإنهاء المغامرة الانقلابية الإماراتية، بل والذهاب أبعد نحو تحجيم دور حلفاء أبو ظبي بشكل كبير عبر حشرهم في بضع محافظات جنوبية – ليس من ضمنها شبوة -، وهو ما يعني عملياً إنهاء نفوذ الإمارات في المناطق التي تختزن الثروات النفطية، أي حضرموت وشبوة – فضلاً عن أن أبو ظبي ليست موجودة أساساً في مأرب -، وحرمان حلفائها من الموارد النفطية. كذلك، فتحت الرياض مساراً سياسياً لتكريس منجزاتها على الأرض، معلنةً نيّتها رعاية حوار جنوبي – جنوبي في الرياض، يعالج «القضية الجنوبية»، على أن يكون «الانتقالي» واحداً من عدّة فواعل فيه، وليس حامل لواء إقامة «دولة الجنوب العربي» التي كان يطمح إلى إعلانها بعد انقلابه، والتي بدت الإمارات نفسها مستعجلة للوصول إليها، في ما كان من شأنه أن يُحدث تأثيراً كبيراً يطال الخليج برمته، خصوصاً في زمن تسعى فيه إسرائيل إلى شرذمة ما يمكن أن تصل يدها إليه من دول في الشرق الأوسط.
لم تطرد الرياض حلفاء أبو ظبي من اليمن، وهو ما من شأنه أن يحلّ جزءاً من المشكلة
التحرّك السعودي الذي ما كان ممكناً له أن ينجح لولا تقاطع المصالح مع «أنصار الله» أيضاً – بعيداً من الاتهامات التي أطلقها حلفاء الإمارات حول تعاون ميداني بين الجانبين -، من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها مع الحركة، ويردّ الاعتبار إلى «خارطة الطريق» المتّفق عليها بين الرياض وصنعاء، وإن مع استمرار وقف التنفيذ الممنوع أميركياً، علماً أن الخارطة تتضمّن توزيع عائدات النفط بين صنعاء وعدن، وكان من شأن سيطرة «الانتقالي» على حضرموت أن تنسفها من أساسها، كون نفط المحافظة الشرقية يحتلّ حصة رئيسية من الموارد المتضمّنة فيها. الأهمّ من ذلك، أنها المرة الأولى التي تَظهر فيها التبعات الكارثية للعلاقة مع إسرائيل على الإمارات، التي كانت حتى الآن تسجّل «مكاسب» من وراء تلك العلاقة، بما لا يستثني الحرب على قطاع غزة، حيث لم تدفع ثمناً لوقوفها إلى جانب العدو وتقديمها المساعدة له خلالها.
أمّا خليجياً، فقد ثبُت أنه لا يمكن لأبو ظبي مقارعة الرياض التي تقدّم نفسها بوصفها «الأخ الأكبر» لدول الخليج الأخرى، على الطريقة التي فعلتها قطر عام 2017 حين حوصرت لمدّة أربع سنوات من قِبل رباعي يضمّ السعودية ومصر والبحرين والإمارات، واستطاعت الصمود وإفشال أهداف الحصار. فقطر كانت تملك قضية تُعدّ محقّة، وتتموضع بشكل صحيح أتاح لها الاستفادة من علاقتها بكلّ من إيران وتركيا وحتى الولايات المتحدة، التي عارضت مؤسّساتها الأمنية والعسكرية وقوف رئيسها، دونالد ترامب، إلى جانب الرباعي في تلك المدة من ولايته الأولى، وذلك نظراً إلى أن قطر كانت تقوم بأدوار مفيدة جداً للأميركيين، فضلاً عن أنها تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، هي قاعدة العُديد. وإذ حاولت الإمارات، عبر إطلاق مرتزقتها في الإعلام للتنظير لكون الدول الأصغر في الخليج تلعب دوراً في حفظ التوازن الذي يسهم في إنجاح الصيغة الخليجية، فإن ما جرى كان أكبر من أن تستطيع السعودية تحمّله، خاصة وأنها كانت في موقع المعتدى عليه.
السؤال المطروح الآن هو كيف ستدير السعودية الأزمة اليمنية من زاوية التعامل مع مقتضيات المصالح الأميركية والنفوذ الأميركي في اليمن؟ إلى الآن، لم تطرد الرياض حلفاء أبو ظبي من اليمن، وهو ما من شأنه أن يحلّ جزءاً من المشكلة، لكن الجواب على مثل هذا السؤال يبقى مؤجّلاً. إذ ثمّة ترابط بين ما يجري في اليمن وبين ما يجري في الشرق الأوسط ككلّ؛ ولذا، تبقى «خارطة الطريق» التي أعدّتها الأمم المتحدة باعتبارها الحلّ الواقعي الذي يعكس الحقائق على الأرض في البلاد، معلّقة التنفيذ، وذلك في انتظار إمّا تسوية بين إيران والولايات المتحدة تنسحب على أزمات عدة في المنطقة، وإمّا حرب جديدة تفرز تعديلاً في موازين القوى. لكن ما يسجّل هنا، على أيّ حال، هو فشل جديد في إحداث اختراق في الساحة اليمنية، يُضاف إلى فشل حشد الأساطيل والحملات الجوية الأميركية والأوروبية والإسرائيلية، خلال العامين الماضيين، في كسر صنعاء التي لم تَحتج، هذه المرّة، إلى إطلاق ولو رصاصة واحدة.
الاخبار
